رحيل الأب المؤسس: لي كوان يو
في يوم 23 مارس 2015 ، رحل لي كوان يو عن عالمنا تاركاً وراؤه الدولة التي قام هو وزملاؤه ببنائها خلال خمسة عقود والتي أصبحت دليلاً على عظمة إنجازه الحضاري والتاريخي كزعيم ورئيس وزراء.
وقال بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء: "يعلن رئيس الوزراء بحزن عميق عن وفاة السيد/ لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس لسنغافورة. مات السيد/ لي وصعدت روحه بسلام في تمام الساعة 03:18 صباح اليوم عن عمر 91 عاماً في مستشفى سنغافورة العام وسيتم الإعلان عن ترتيبات للجمهور لتقديم العزاء ولإجراءات الجنازة في وقت لاحق."
عندما نتحدث عن "نموذج سنغافورة" في الحكم، فنحن بالفعل نشير إلى النموذج الذي أقامه الراحل لي كوان يو فهو الأب المؤسس للدولة الحديثة في سنغافورة وهوالذي شغل منصب "رئيس الوزراء" في الفترة من 1959 إلى 1990، ثم منصب "الوزير العظيم" في الفترة من 1990 إلى 2004 ثم منصب "الوزير المرشد" من عام 2004 إلى عام 2011. وسيكون من الصعب لأي مؤرخ أو راصد أن يذكر على سبيل المثال زعيماً آخر كان لا غنى عنه أو عن إسهاماته الشخصية، وتتشابك مساهمته مع المعجزة التي حققتها بلاده مثلما هو الواقع مع سيرة لي كوان يو . وفي مذكراته التي نشرها في العام 1998 أوضح لي كوان يو فيما سجله تحت عنوان "قصة سنغافورة" أنه أراد ان تصبح بلاده "ليس فقط قادرة على العمل ولكن قادرة على أن تزدهر وتنمو."
قاد لي كوان يو جيل الرواد الأوائل من السنغافوريين الذين كان عليهم التغلب على سلسلة من التحديات الصعبة بدء من إعادة تسكين الأهالي في مساكن الإسكان الحكومي بأسعار معقولة بديلاً عن العشوائيات ومساكن الصفيح وإعادة بناء الإقتصاد بعد الرحيل المفاجيء للقوات البريطانية ثم مواجهة صدمة أزمة النفط في السبعينيات والركود الإقتصادي الكبير في منتصف الثمانينات. وخلال كل هذه الأحداث كان لي كوان يو يحث شعبه على أن يكون شجاعاً ويحمل قلبه على كفه طوال الوقت ولا يخاف لأنهم كانوا يتطلعون إلى مستقبل أفضل.
كان صوت لي كوان يو قوياً مثل الرعد وهو يتحدث بثقة كبيرة في تجمع جماهيري بمنطقة سمبا وانج، في شمال سنغافورة، في سبتمبر 1965 وبعد شهر واحد من إعلان إستقلال جمهورية سنغافورة : "إن هذا البلد ملك لكل واحد منا ، لقد صنعنا هذا البلد من لاشيء ، من بيوت طينية ... وقبل أكثر من مائة عام كان هذا البلد بيوتاً طينية ومستنقعات ... اليوم هذه المدينة حديثة ... وبعد عشر سنوات من الآن سوف تصبح حاضرة عظيمة ... لا خوف لدينا أبداً."
وقد أنجز ذلك بالفعل، وفي الواقع أن إنجازه كان أبعد كثيراً مما تخيل هو نفسه.
عندما تولى لي كوان يو الحكم في سنغافورة كانت سنغافورة المدينة الجزيرة تعاني من الفقر و الإنقسام وحصلت على إستقلالها من بريطانيا بثمن باهظ من حيث أن تحقيق الحكم الذاتي لم يكن إنجازاً في بلد صغير جداً، متعدد اللغات، متعدد الأعراق، متعدد الأديان، وبلا أي موارد طبيعية ولا أي أساس عضوي لتطوير المجتمع كوحدة متماسكة مما يعرضه للإنفجار بسهولة.
ومن المفارقات، أنه هو نفسه ذلك النجاح ذاته الذي يدعو إلى سؤال دائم عما إذا كان أسلوبه في الحكم يمكن أن يدوم. فقد ورث لي كوان يو بلداً على شفا الانهيار، وحتى في الوقت الذي ذهب من قوة إلى قوة، كان دائماً يذكر زملائه وناخبيه أنه لا يمكن أبدا أن يأخذوا شأن نجاح سنغافورة كأمر مفروغ منه.
وأوضح لصحيفة نيويورك تايمز في سبتمبر 2007 أن "هذا الشعور بالقابلية للإنهيار هو جواب السيد لي لجميع منتقديه، لأولئك الذين يقولون ان سيطرته على سنغافورة محكمة جدا، وأنه يضرب الصحافة بالسوط، ويقمع حرية التعبير، ويقلص الديمقراطية، ويدوس على المعارضين ، ويحارب القدرات الإبداعية لدى مواطنيه."
اليوم وبعد خمسين عاماً من إعلان جمهورية سنغافورة فإن المواطن السنغافوري العادي لم يعد يشعر بالقلق بشأن مستقبل البلاد من أجل البقاء. بدلا من ذلك، هناك طبقة وسطى متنامية تطالب الحكومة بشكل متزايد لزيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية و الصحية، والتقليل من عدم المساواة في الدخل والثروة ، وجعل المزيد من المساكن متاحة بأسعار معقولة، ووقف تدفق المهاجرين والسماح بالمزيد من المنافسة الانتخابية.
عند إمعان النظر في قصة نجاح سنغافورة والتفكير في التحديات التي نشأت خلالها والتي تشير إلى أن نموذج سنغافورة/نموذج لي كوان يو، حقا - هو التناقض بعينه.
بمعنى أو بآخر وبعد كل شيء، هو نجاح استثنائي حقا.
ليس هناك من المرجح أن يكون هناك زعيم آخر في قالب لي كوان يو أو يواجه ظروف مماثلة له، ولي نفسه يشك في ما إذا كان يمكن تطبيق ما فعله في سنغافورة على بلدان أخرى ، مع الوضع في الإعتبار عدد سكانها الصغير ومساحتها المتناهية الصغر، وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن النموذج قابل للتطبيق عالميا.
أعلنت جمهورية سنغافورة في يوم 9 أغسطس من ذلك العام 1965 وبعكس جميع الزعماء الذين يعلنون إستقلال بلادهم وسط جو إحتفالي رائع وسط حشود حاشدة من أبناء الوطن في الميدان الرئيسي بالمدينة، كان لي كوان يو يعلن قيام جمهورية سنغافورة دولة مستقلة من داخل أحد ستديوهات التليفزيون السنغافوري حيث عقد مؤتمراً صحفياً بسيطاً حيث تحدث واصفاً تلك اللحظة (لحظة الإستقلال والإنفصال عن دولة ماليزيا الفيدرالية) بأنها "لحظة من الألم" ثم تغلبه عواطف جياشة فيواصل قائلاً: "خلال عمري وشبابي كنت دائماً أؤمن بالإندماج مع ماليزيا وضرورة الوحدة بين الأقليمين وكما تعلمون فإن الشعب يرتبط بأواصر من الجغرافيا والإقتصاد وروابط القرابة آ آ ....... " وتغلبه دموعه أمام كاميرات الصحافة والتليفزيون فيطلب التوقف قليلاً حتى يتمكن من المحافظة على رباطة جأشه وهو يتحدث أمام الصحافة وأمام العالم كزعيم لأمة ناشئة ..... ثم بعد فترة قصيرة من التوقف يعود إلى مواصلة حديثه مرة أخرى فيقول: "لا يوجد أي سبب للقلق هناك العديد من الأمور سوف تتواصل كالعادة ... ولكن لنكن حازمون ولنكن هادئون .. فسوف نبني أمة على أساس تعدد الأعراق في سنغافورة وسوف نضع المثال للآخرين ... هذه ليست أمة ماليزية ... هذه ليست أمة صينية ... هذه ليست أمة هندية ... كل واحد سوف يكون له مكانه ... بالتساوي .. اللغة، والثقافة، والدين ... وفي النهاية دعونا نحن السنغافوريين أن نكون حقيقة متحدين على الرغم من إختلاف العرق واللغة والدين والثقافة ..." ثم يعود للحديث مرة آخرى ليقول للسنغافوريين : " أنا لست ألعوبة في يد أي أحد ... أنا لست هنا لكي ألعب لعبة شخص آخر ... عندي بضعة ملايين من حياة البشر المسئولين مني ... سنغافورة سوف تحيا. "
في ذلك اليوم وهو في الثانية والأربعين من عمره صار لي كوان يو أباً لأمة ناشئة هي جمهورية سنغافورة وعندما تبوء مقعد الحكم فهو لم ينسى كلماته التحذيرية : "سنغافورة لن تستطيع أن تحيا بمفردها." ولكنه في ذلك اليوم كان يملؤه التصميم لكي يثبت أنه مخطئاً. كانت كلماته في منتهى الشجاعة وكانت عزيمته لا لبس فيها ولكن المهمة التي تنتظره كانت تبدو مستحيلة وفي أحسن الظن شاقة جداً.
جميع السنغافوريين، شيوخاً أو شباباً، يرددون حكاية شائعة بأن الذي قرر إنفصال سنغافورة عن الإتحاد الفيدرالي الماليزي هو السيد تنكو عبد الرحمن ، رئيس وزراء ماليزيا في ذلك الحين وأنه هو الرجل الذي ألقى بدولة سنغافورة الفتية إلى مصيرها المجهول وقال بعضهم كان ذلك بسبب كرهه لسنغافورة والسنغافوريين وقال آخرون أنه رأى خطراً على إستمرار حزبه كحزب حاكم لدولة ماليزيا الفيدرالية إذا أستمرت سنغافورة جزءً من الدولة حيث كان يرى طموحاً كبيراً لدى لي كوان يو.
ولكن مالذي حدث فعلاً في ذلك الوقت من عام 1965 ؟
لا يوجد لدينا حقائق كاملة أو أدلة مستوفية ولكن لدينا أوراقاُ مبعثرة ووثائق وشهادات متعددة وسنحاول أن نجمعها ونرتبها لعلنا نصل إلى رسم صورة حقيقية عن قصة إستقلال سنغافورة وهل كانت دموع السيد لي كوان يو في ذلك اليوم البعيد دموعاً حقيقية ؟ أم أنه كان يحبك دوره بشكل مبالغ فيه وما كانت دموعه إلا دموع تمساح يسبح في مياه قاتمة .
في كتابه المنشور في عام 1974 "سنغافورة لي كوان يو" يذكر الكاتب تي. إس. جيه. جورج : "أن تنكو عبد الرحمن إندهش دهشة بالغة لدرجة أنه علق حينما شاهد لي كوان يو ينهار ويبكي أمام الكاميرات بسبب الإنفصال وقال تنكو عبدالرحمن "أنا لا أعرف لماذا يتصرف السيد لي كوان يو على هذا النحو.... لقد كان سعيداً بالإنفصال".
ويضيف الكاتب موضحاً أن لي كوان يو ذهب بنفسه إلى كوالالمبور للإجتماع بتنكو عبدالرحمن رئيس وزراء ماليزيا لمناقشة العلاقات المتدهورة بين حكومة سنغافورة المحلية والحكومة الفيدرالية الأم. وبعد يوم واحد قام لي كوان يو بإستدعاء إثنين من وزرائه المقربين في الحكومة السنغافورية وهما السيد إس. راجا راتانم ، وزير الثقافة في ذلك الوقت والدكتور توه تشين تشاي ، نائب رئيس الوزراء الأسبق والرئيس المؤسس لحزب لي كوان يو الحاكم "حزب حركة الشعب".
ويذكر المؤلف أن السيد لي كوان يو إستدعاهما لمقابلته في كوالالمبور وقام لي كوان يو بترتيب الأمر بحيث لا يسافر الإثنان معاً وكان السبب واضحاً في أنه لي كوان يو لا يرغب في أن يتبادل الإثنان الحديث طوال الطريق ويتناقشان معاً في أسباب هذ الإستدعاء المفاجيء وإحتمال أنهما قد يصلان بتوقعاتهما إلى إحتمالات متعددة للظروف الحاضرة.
مهما كان فإن الدكتور توه تشين تشاي كان رد فعله مماثلاً لرد فعل التنكو في الحيرة والإضطراب عندما شاهد التأثر الشديد للسيد لي كوان يو الشديد على التليفزيون من جراء الإنفصال مما دفعه للتعليق "لم أكن أدري لماذا كان يبكي؟"
الدكتور توه كان ثاني الحاضرين ، بعد السيد لي كوان يو في إجتماعات كوالا لمبور الشهيرة والخاصة بمناقشة الإنفصال وكان هو أحد المطلعين على جميع الأسرار عندما تم إتخاذ القرار بإنفصال سنغافورة عن ماليزيا. إذا كان هناك من يدعي أنه على علم بما دار خلال تلك الأيام فهو هذا الشخص.
ولكن السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور توه تشين تشاي لم يتحدث عن أي شيء وربما سوف يحمل السر معه إلى القبر. والمعروف أن الدكتور توه إختلف مع السيد لي كوان يوه في الثمانينات ونتيجة لهذا الخلاف تم تنحيته من مناصبه الحكومية والحزبية ووضعه على المقاعد الخلفية للحزب وفي الواقع فإن الدكتور توه وفيما أعقب ذلك ألقى بدعمه وراء مرشح المعارضة السيد فرانسيس سياو وهو المحامي العام الأسبق عندما رشح نفسه في الإنتخابات البرلمانية عام 1988 وتلك حكاية أخرى.
وبعد سنوات عديدة ، في جنازة السيد جوه كنج سيوي وهو الذي شغل مناصب عدة في وزارة لي كوان يو فكان وزيراً للدفاع ووزيراً للمالية وهو معروف بأنه مهندس التنمية الإقتصادية في سنغافورة) ذكر السيد لي كوان يو (وكان يشغل منصب الوزير المرشد آنذاك) أن الذي قام بالمفاوضات مع ماليزيا وأن من إتخذ قرار أنفصال سنغافورة من الإتحاد الفيدرالي هو الدكتور جوه كنج سيوي.)
ولكن الدكتور جوه كنج سيوي كان يشغل منصب وزير المالية في ذلك الوقت ولم يكن رئيس وزراء سنغافورة في أي وقت من الأوقات، فكيف له أن يتخذ مثل هذا القرار ومنفرداً ؟!! والسؤال الآخر لماذا أخفى السيد لي كوان يو هذه المعلومة الخطيرة ولم يعلن عنها إلا بعد وفاة الدكتور جوه ؟!!
من المؤكد أن الحقيقة فيما يخص إنفصال سنغافورة عن ماليزيا وهل فعلاُ قام تنكو عبد الرحمن بطرد سنغافورة من الإتحاد الفيدرالي أم أن الأمر كان بناء على رغبة حكومة سنغافورة وعلى رأسها السيد لي كوان يو في تحقيق الإنفصال عن ماليزيا وماهو الدور الحقيقي الذي لعبه لي كوان يو لتحقيق هذا الأمر؟!! أسئلة عديدة والأجابات كانت تأتي متفرقة أو صعبة المنال ولهذا إستمرت قصة إنفصال سنغافورة عن ماليزيا يشملها الكثير من الغموض حتى فارق لي كوان يو الحياة.
وفجأة ظهرت أوراق متفرقة من ملف الباتروس أو ملف طائر القطرس كما سمي بناء على تشبيه الدكتور جوه كنج سيوي للإتحاد مع ماليزيا بأنه "كطائر القطرس القابض على أعناقنا". وهذا التعبير " كطائر القطرس القابض على أعناقنا" هو تعبير مجازي معروف ويقصد به "العبء الثقيل" المعلق على أعناقنا أو كما جاء في قصيدة للشاعر الإنجليزي صاموئيل تايلور كوليردج Samuel Taylor Coleridge (1772 – 1834). في القصيدة التي بعنوان "The Rime of the ancient mariner" "صقيع البحار القديم" ، يبدأ طائر القطرس بمتابعة سفينة - طائر القطرس يعتبر عموما علامة على الحظ الحسن عند البحارة. ولهذا فعندما يطلق البحار سهامه على طائر القطرس، والذي يعتبر بمثابة عمل من شأنه أن يلعن السفينة (التي ستعاني بالفعل من إشكالات رهيبة) ومن هنا فإن طاقم السفينة يلومون عمل البحار المتسبب في تلك اللعنة. ثم يحكي الشاعر في قصيدته كيف يقوم البحارة بتعليق طائر القطرس حرفياً حول عنق البحار المذنب ليرمز إلى ذنبه في قتل الطائر. وهكذا ، يتحول طائر القطرس فأل الحظ الحسن إلى أمرسيئ ، كناية عن العبء الثقيل الذي على البحار أن يحمله ككفارة عن الذنب تصاحبه طوال حياته.
وهكذا تم وصف الإتحاد مع ماليزيا بالعبء الثقيل القابض على أعناق لي كوان يو و رجاله وكان لابد إذن من التخلص من هذا العبء الثقيل.
اليوم، نستطيع أن نؤكد أنه لم يكن قراراً منفرداً من رئيس وزراء الحكومة الفيدرالية الماليزية السيد تنكو عبد الرحمن بطرد سنغافورة من الإتحاد الماليزي بل كان إعلان جمهورية سنغافورة في يوم التاسع من أغسطس عام 1965 هو تتويج لمفاوضات بدأها السيد لي كوان يو ورجاله المقربين مع الحكومة الفيدرالية لماليزيا في كوالا لمبورإستمرت لفترة تراوحت بين حوالي ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر في سرية تامة مع مباركة وموافقة الحكومة البريطانية.
في تقرير بعنوان " سنغافورة لم تطرد من ماليزيا: ملفات طائر القطرس تعطينا فهماً أفضل للحظة هامة في التاريخ" ، نشرته جريدة "ذي أونلاين سيتزين" * وهي جريدة إليكترونية تعني بشئون سنغافورة جاء ما يلي:
معرض يحمل عنوان "لقد بنينا أمة" في المتحف الوطني بسنغافورة ، ويضم بعض الأوراق المختارة من ملف طائر القطرس الذي تم تصنيفه سابقًا ، والذي يحمل وصف الدكتور جوه كنغ سيوي للاندماج على أنه "طائر القطرس حول رقابنا". وشغل الدكتور جوه منصب وزير المالية ، ووزير الدفاع ، ووزير التعليم ونائب رئيس الوزراء ، ولعب دوراً حاسماً في المفاوضات حول الانفصال.
تُظهر الأوراق التي عُرضت في المعرض أن الإنفصال لم يكن ، كما دفعت السردية السائدة الكثيرين للاعتقاد ، بناء على أن ماليزيا "طردت" المدينة الصغيرة "سنغافورة" من إتحاد ماليزيا. وبدلاً من ذلك ، تُظهر الأوراق كيف كان قادة سنغافورة ينغمسون بشكل متزايد في التفاوض على شروط الانفصال.
في الفقرة الأولى من مذكرة من رئيس الوزراء لي كوان يو، والتي تحمل علامة "سري للغاية" ، قال لي: "لن يمر وقت طويل قبل أن نتخذ قرارًا بشأن مستقبل سنغافورة وماليزيا. أعتقد أنه بعد فترة وجيزة من شهرالصيام (رمضان) سيكون علينا الرد على حركة مفتوحة من جانب التنكو (تنكو عبد الرحمن، رئيس وزراء ماليزيا في ذلك الوقت) وسيطلب منا اتخاذ موقف عام ".
وأضاف لي: "قبل اتخاذ هذا القرار ، يجب أن نكون واضحين في أذهاننا بشأن الخيارات المتاحة لنا وعلى العواقب ليس فقط على المدى القصير ولكن أيضًا على المدى الطويل في كل واحد من القرارات المحتملة التي نتخذها".
من المعروف أن بعد الإندماج ، احتفظت سنغافورة بسيادتها على التعليم والعمل تحت إشراف الاتحاد الماليزي ، لكن كل الأمور المتعلقة بالدفاع ، والشؤون الخارجية والأمن الداخلي أصبحت خاضعة لسلطة الحكومة الفيدرالية. واضطرت سنغافورة أيضاً إلى المساهمة بنسبة 40 في المائة من إيراداتها للحكومة الاتحادية ، مع إقامة سوق مشتركة على مدى 12 عاماً.
في هذه المذكرة شديدة السرية ، حلّل السيد لي كوان يو الوضع والتأثيرات. ولاحظ: " أنه عندما أسر التنكو إلى الدكتور جوه كنج سيوي لأول مرة في ديسمبر من العام الماضي (1964) برغبته في "خلع سنغافورة من ماليزيا" ، فقد ولّد ذلك إثارة كبيرة بيننا أولاً لأن ذلك أظهر إدراكنا بأنه لا يمكن تثبيتنا في ماليزيا. وأكدت سيادة طائفة الملايو للأبد".
لكنه كان على دراية بالفوائد المحتملة لمثل هذا الموقف ، وكتب: "فيما بعد، سوف يعطينا هذا فرصة للهروب ، إذا كان هناك مشكلة في شبه جزيرة الملايو مع توقع صراعات طائفية حول اللغة وقضايا أخرى. فمن المحتمل مع إعادة ترتيب الأمور أن نعزل أنفسنا عن الصراع الطائفي الذي يتراكم في شبه جزيرة الملايو ".
كتب لي كوان يو أن "أعظم ما في محاولة إعادة الترتيب هذه هو أملنا في الحصول على فوائد كل العوالم - السوق المشتركة ، الاستقرار السياسي مع التوسع الاقتصادي ، والاستقلال الذاتي في سنغافورة دون تدخل من كوالا لمبور ( الحكومة الفيدرالية لماليزيا). إن صورة سنغافورة مزدهرة و أفضل حالاً من بقية ماليزيا هو الأكثر جاذبية ".
حسب هذه المذكرة فائقة السرية والتي نشرتها الحكومة السنغافورية بعد وفاة السيد لي كوان يو ، كيف أن التفكيروالإعداد لإنفصال سنغافورة عن ماليزيا قد بدأ منذ ديسمبر 1964 وربما من قبل ذلك التاريخ.
إياً كان الأمر فقد ولدت جمهورية سنغافورة إذن وتسرب زعيمها لي كوان يو على مسرح الأحداث في هدوء ليقود أكبر عملية تنمية إقتصادية عرفها العالم من أصغر دولة ناشئة ليذهل الجميع وأولهم شعب سنغافورة نفسه.
في أقل من ستة عقود من الزمان ، فإن سنغافورة توفر اليوم دخلا سنوياً للفرد أكثر من 50 ألف دولار ، واقتصاد صنّفه المنتدى الاقتصادي العالمي في المرتبة الثانية الأكثر تنافسية في العالم على مدار أربع سنوات متتالية. وبعيدًا عن حجم دولة سنغافورة - على مساحة 722 كيلومتر مربع تقريبًا ، تبلغ مساحتها أقل قليلاً من مساحة دولة البحرين - وعلى الرغم من موقعها - فهي محصورة بين عملاقين ، الصين والهند ، حيث يتجمع ثلث البشر- لم تبرز سنغافورة كواحدة من التقاطعات التجارية الهامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ فحسب ، بل كواحدة من أهم مراكز النشاط الدبلوماسي في المنطقة (انظر قائمة المشاركين في حوارها السنوي في شانغريلا).
في سجلات بناء الأمم ، يعد تحول سنغافورة خلال فترة ولاية لي كوان يو واحدًا من أهم إنجازات القرن العشرين.
2
تاريخ سنغافورة المنسي
في أحد أيام شهر أغسطس من العام 2017، ومع إحتفالات سنغافورة بعيد الإستقلال (التاسع من أغسطس من كل عام)، كتب السكرتير البرلماني السابق السيد/ ياتيمان يوسف إلى الحكومة. طلبه – بتسمية أحد شوارع حي بدادري السكني الجديد على إسم المدرسة التي هدمت مؤخرا. كانت تلك المدرسة هي مدرسة سانج نيلا أوتاما الثانوية في طريق الجنيد الأعلى. ووفقاً للمحفوظات الماليزية ، فإن سانغ نيلا أوتاما هو أمير باليمبانج (باليمبانج: مدينة كبيرة وهي عاصمة أقليم جنوب سومطرة في إندونيسيا حالياً) الذي أعطى سنغافورة اسمها في عام 1299. وتخليداً لذكراها افتتحت المدرسة عام 1961 ، وكانت أول مدرسة ثانوية ماليزية أنشأتها الحكومة في سنغافورة.
وذكر السيد/ ياتيمان: "جاء رد من موظف كبير جدا في مجلس تطوير الإسكان ليقول حسنا ، سوف نضع لوحة صغيرة لنقول أن هذا هو موقع مدرسة سانج نيلا أوتاما الثانوية السابقة "، ثم أضاف ياتيمان في تصريح لقناة أخبار آسيا السنغافورية "إن المدرسة تعكس معلما بارزا في نظام التعليم في سنغافورة ، فقبل افتتاحها ، لم يذهب العديد من الفتيات من طائفة الملايو المسلمات إلى المدرسة لأن معظم تلك المدارس يديرها مبشرون مسيحيون ولكن عندما أدخلت الحكومة سياسة التعليم متعدد اللغات للمدارس الثانوية ، ذهبت آلاف الفتيات الملايو إلى المدارس الثانوية ، وأصبحت أعدادهن الآن تفوق أعداد أقرانهن من الطلاب الذكور في الجامعات. لقد تبنت المدرسة سياسة التعليم الجديدة وكانت معلما بارزا في نظامنا التعليمي. فهل يكفي وجود لوحة صغيرة؟".
وقال ياتيمان إنه يأمل أن يتم التعامل مع هذا الافتقار إلى العمق في فهم تاريخ سنغافورة من خلال إحتفالات الذكرى المئوية الثانية لسنغافورة ، وهي سلسلة من الأحداث والمشاريع في عام 2019 ستحيي ذكرى مرور مائتي سنة منذ وصول البريطاني السير ستامفورد رافلس إلى شواطئ سنغافورة.
وقد أعلن رئيس الوزراء السيد/ لي هسيان لونج عن هذه الاحتفالات يوم الأحد 31 ديسمبر2017 في خطابه بمناسبة قدوم السنة الجديدة 2018 ، ووصفها بأن هذه الإحتفالات سوف تكون علامة فارقة هامة لسنغافورة. كما أنها "مناسبة لنا جميعاً للتفكير في كيف نشأت أمتنا ، وكيف وصلنا إلى هذا الحد ، وكيف يمكننا المضي قدمًا معًا".
وحسب الإعتقاد الشائع بين عموم الشعب السنغافوري وبناءً على منهج التاريخ الذي يدرس في مدارس سنغافورة فإن نقطة البداية في تاريخ سنغافورة تبدأ من وصول السير ستامفورد رافلس إلى شواطيء سنغافورة في العام 1819 وتأسيس سنغافورة كمستعمرة بريطانية في جنوب شرق آسيا وهو أمر أجده غير مستساغاً من حكومة وطنية تمثل جمهورية سنغافورة المستقلة.
وحتى أوضح هذه الفكرة وأقربها للقارئء أتسائل هنا، هل يعرف القاريء الكريم ماهو يوم العيد الوطني في دولة أستراليا مثلاً ولماذا؟ أنه يوم السادس والعشرين من يناير وذلك إحياء لذكرى وصول أول أسطول بحري بريطاني إلى أستراليا في عام 1788 وإعلان أستراليا مستعمرة بريطانية. قد يبدو هذا الأمر مستساغاً في أستراليا بسبب أغلبية المهاجرين ذوي الأصول البريطانية وبالرغم من أن السكان الأصليين في أستراليا يعتبرونه احتفالاً بالتدمير البريطاني لشعب أستراليا الأصليين ويفضّلون تسميته بيوم الاحتلال.
ولكن في سنغافورة يثير الأمر العديد من علامات الإستفهام حول مغزى الإحتفال بالمستعمر؟
وفي الواقع أن حكاية الأمير سانج نيلا أوتاما أحياناً ما تذكر في دروس اللغة المالاوية أو كحكاية أسطورية يرويها المدرسون للتلاميذ في المدارس لشغل أوقات الفراغ بين حصص الرياضيات و العلوم المكثفة. وهذا الأمر عادة يجعل التلاميذ في حيرة من أمرهم، هل حكاية الأمير سانج نيلا أوتاما حقيقة مؤكدة في التاريخ أم هي من الاساطير ترويها الجدات قبل النوم.
ما هي حكاية سانج نيلا أوتاما ؟ وما هو تاريخ سنغافورة كما ورد في المراجع الصينية القديمة و سجلات الممالك الإندونيسية القديمة والحوليات المالاوية؟ ولماذا لا يوجد أي ذكر لهذا الجزء من تاريخ سنغافورة في دروس التاريخ بالمدارس السنغافورية؟ الأمر الذي يجعل سكرتير برلماني سابق وهو ينتمي لحزب حركة الشعب الحاكم (حزب لي كوان يو) أن يتسائل عن الإفتقار إلى العمق في فهم تاريخ سنغافورة؟؟
الأمر المؤكد أن سنغافورة كانت جزءًا من نزاعات القوى الإقليمية ، حيث كانت تعمل كمرفأ تجاري ، وكانت جزءًا من نزاع سياسي يضم مختلف الإمبراطوريات القديمة في جنوب شرق آسيا مثل سري فيجايا (سومطرة والملايو حالياً) ، وماجاباهيت (جاوة حالياً)، وتشولاين (جنوب الهند حالياً) ، وأيوتايا (تايلاند حالياً) ، وحتى الصينيين والتتار، ويفترض أنهم جميعاً أدركوا إستراتيجية وأهمية الجزيرة.
إن أقدم أسم يشير إلى جزيرة سنغافورة هو إسم "بولاو أوجونغ" وهو ما يعني "الجزيرة في النهاية". تشير المراجع الصينية في القرن الثالث إلى بولو تشونغ Po Lo Chung (蒲 羅 中) في إشارة لأصل الأسم الماليزي المعروف بولاو أوجونغ Pulau Ujong. وكان المعروف في سجلات البحارة أن على المسافرين من مضيق ملقا إلى بحر الصين الجنوبي أن يمروا من عند تلك الجزيرة الموجودة في نهاية شبه جزيرة الملايو، ومن هنا جاء اسم "بولاو أوجونغ" أي الجزيرة عند النهاية. وكانت الجزيرة معروفة بهذا الاسم أيضاً في المصادر الأوروبية كاسم لسنغافورة الحالية.
وفقا للحوليات المالاوية المعروفة بإسم "سيجارة مالايو" وهو عمل أدبي تاريخي يُعتقد أنه تم التكليف بكتابته من قبل سلطان جوهور(ولاية في جنوب شبه جزيرة الملايو) عام 1612 ميلادية. وهي سجلات تاريخية مكتوبة بخط الجاوي القديم على الورق التقليدي في عهد سلطنة ملقا ، وهي تغطي فترة تاريخية تزيد عن 600 سنوات تشمل كيف تأسست مملكة ملقا ، وعلاقاتها المختلفة مع الممالك المجاورة ، وظهور ونشر الإسلام في منطقة جنوب شرق آسيا ، وتاريخ الملوك في المنطقة ، فضلا عن التسلسل الهرمي الإداري لمملكة ملقا والدول التي خلفتها.
وقد قام الدكتور جون ليدن بترجمة "سيجارة مالايو" والتي تعني "تاريخ الملايو" إلى اللغة الإنجليزية وأسماه Malay Annals وتم نشر هذا الكتاب في عام 1821م مع مقدمة من السير ستامفورد رافلس.
وأنا لا أدعي معرفة وجود أي ترجمة عربية لهذا الكتاب والذي أسميه هنا "الحوليات المالاوية" بحسب الترجمة الإنجليزية له أو "تاريخ الملايو" بحسب إسم الكتاب الأصلي باللغة المالاوية.
وجاء فيه أن "سانغ نيلا أوتاما" كان أميراً على باليمبانج (مدينة في جزيرة سومطرة التابعة لإندونيسيا حالياً) ، وكانت آنذاك عاصمة إمبراطورية سري فيجايا (أحياناً تنطق: سري ويجايا) ، والده هو الملك "سانغ سابيربا" ، والذي من المفترض أنه ينحدر من الإسكندر الأكبر كما تقول الحوليات وهم يسمونه "الأسكندر ذو القرنين". وكان "سانغ نيلا أوتاما" متزوجا من "وان سري بيني" ، ابنة الملكة الأرملة "باراميسواري اسكندر شاه" من جزيرة بنتان (جزيرة إندونيسية بالقرب من سنغافورة) ، وقد حازعلى شرف عالي ممثلاً في تاج ذهبي مرصع بالأحجار الكريمة وخاتم ملكي يشير إلى سلطته.
وبينما كان يصطاد على جزيرة بنتان ، اكتشف غزالاً وبدأ في مطاردته على تلة صغيرة ولكن عندما وصل إلى القمة ، اختفى الغزال. ثم وصل إلى صخرة كبيرة جدا وقرر تسلقها. عندما وقف فوق الصخرة ، نظر عبر البحر وشاهد جزيرة أخرى بشاطئ ذو رمال بيضاء كان يظهر كأنه غطاء أبيض من القماش. وسأل رئيس وزرائه ما هي هذه الجزيرة؟ ، قيل له إنها جزيرة تيماسيك (الأسم القديم لسنغافورة) فقرر أن يبحر إليها وبينما كانت سفينته في البحر ، اندلعت عاصفة كبيرة وألقت السفينة في الأمواج العاتية وبدأت المياه تتسرب إلى السفينة. ولمنع السفينة من الغرق ، ألقى رجاله جميع الأشياء الثقيلة على متن السفينة إلى البحر لتخفيف حمولة السفينة. ولكن ما زالت المياه تواصل الدخول إلى السفينة. وبناء على نصيحة قبطان السفينة ، ألقى "سانغ نيلا أوتاما" بتاجه في البحر كهدية إلى البحر. وفوراً توقفت العاصفة ولتصل السفينة إلى جزيرة تيماسيك (سنغافورة) سالمة وبأمان. هبط الأمير "سانج نيلا أوتاما" بسلام على الشاطئ ، وذهب لاصطياد الحيوانات البرية بالقرب من مصب النهر على قطعة أرض مفتوحة يشار إليها اليوم باسم "بادانج". وفجأة رأى حيوانًا غريبًا له جسد أحمر ورأس أسود وصدر أبيض اختفى بسرعة في أدغال الغابة. أعجب الأمير بجمال هذا الوحش ، سأل رئيس وزرائه عن الحيوان الذي كان وأُبلغه أنه أسد. وقد أعجبه هذا لأنه كان يعتقد أن هذا فأل خير ، فقرر بناء مدينته الجديدة في تيماسيك. وبقي هو ورجاله في الجزيرة وأسسوا مدينة ، وقرر تسمية المدينة "سينجا بورا" ، والتي تعني باللغة السنسكريتية "مدينة الأسد" حيث كلمة "سينجا" تعني الأسد و"بورا" تعني مدينة.
إن الأحداث في حكاية "سانغ نيلا أوتاما" رمزية للغاية وتبدو أسطورية ومن المرجح أن تكون وصف أدبي للأحداث التاريخية كما حدثت في الواقع وكان من عادة الكتاب المالاويين في الازمنة القديمة أن يكتبوا بأسلوب أدبي راقي فيه لغة شاعرية أسطورية قد يعجز المالاويين المعاصريين في القرن الواحد والعشرين عن فك معانيها وطلاسمها وهناك أمثلة عديدة للكتابات القديمة بلغة الملايو تؤكد هذا الأمر. غير أن إلقاء التاج في البحر ، وهو عمل مشبع بالمعنى الرمزي "للسيادة" في عالم الملايو ، ويمكن أن يمثل انتقال السلطة من باليمبانج وسري فيجايا إلى سنغافورة كمركز جديد لسلطة ملوك الملايو.
وكما أَشار بعض العارفين إلى أن الأسود لم تتواجد قط في سنغافورة (ولا حتى الأسود الآسيوية) ، ومن ثم تم اقتراح أن الوحش الذي شاهده "سانغ نيلا أوتاما" قد يكون نمرا ، ومن المعروف أن سنغافورة كانت موطناً للنمور المالاوية وحتى بدايات القرن العشرين وهناك حادثة شهيرة عن قتل آخر النمور في سنغافورة عندما تسلل إلى فندق رافلس في عام 1902.
وفي رواية أخرى أن الوحش المذكور في حوليات الملايو هو الوحش الأسطوري الذي يسمى "جانقي" والذي جاء ذكره في أساطير"مينانج كاباو" بإعتباره حارس مناجم الذهب. ومن المعروف أن شعر أحمر غامق يعنى "رامبوت جانقي" ، ويقال إنه من هذا الوحش الأسطوري ، لكنه ربما أيضاً مستمد من حكايات إنسان الغاب ، الذي يتزين ويرقص كما ذكر في أساطير "مينانج كاباو" للتسلية وبغض النظر عن أنواع الحيوانات أو الوحوش ، فإن رمزية الأسد الآسيوي كرمز للسلطة قد تم تأسيسها بقوة من خلال انتشار الثقافة البوذية في آسيا.
ومع ذلك هناك عدد من النظريات الأخرى حول أصل اسم سنغافورة وقد اقترح أن "الأسد" يشير إلى عرش الأسد الذي أنشأه في الأصل "باراميسوارا" في باليمبانغ كتحدي لإمبراطورية ماجاباهيت ، بينما يعتقد آخرون أن "الأسد" يشير إلى طائفة بوذية من ماجاباهيت.
وفيما يتعلق بتاريخ الاستيطان في سنغافورة نفسها ، فقد ذكرنا من قبل أن المراجع الصينية في القرن الثالث تصفها بـ "الجزيرة في نهاية شبه جزيرة الملايو" أو "بولاو أوجونغ" ، مع تسميتها التاريخية المعروفة باسم "تيماسيك".
وقد ظهر إسم "تيماسيك" لأول مرة في "ناجارا كريتاجاما" وهو عمل أدبي معروف في آداب لغة أهل جاوة (إندونيسيا) يرجع إلى العام 1365 كما ظهر إسم "تيماسيك" أيضاً في "الحوليات المالاوية" وفي "كتاب الملوك" ألمعروف بإسم "بارارتون" والمكتوب بلغة الكاوي وهي إحدى لغات جاوة الإندونيسية ويعتقد أن هذا الاسم "تيماسيك" مستمد من إسم ملك سري فيجايا ، "مهراجا تان ما سا نا بو".
تأسيس مملكة سنغافورة في عام 1299
وبعيداً عن الأساطير فإن مملكة سنغافورة كانت مملكة مالاوية تاريخية وكانت موجودة في جزيرة سنغافورة من عام 1299 حتى سقوطها في عام 1398. ويظهر المشهد التاريخي التقليدي حوالي عام 1299 كالسنة التأسيسية للمملكة من قبل "سانغ نيلا أوتاما" (المعروف أيضًا باسم "سري تراي بوانا") ، والده هو "سانغ سابيربا" ، الذي وفقا للأسطورة هو السلف الكبير المشترك لمعظم الملكيات في العالم المالاوي. وكانت سنغافورة معروفة بإسم تيماسيك في تلك الحقبة وتمثل موقعًا بحرياً تجاريًا صغيرًا ، ويسكنها في المقام الأول أورانج لاوت أي "ناس البحر".
تاريخيا ، كان ناس البحر مخلصين جدا للملوك المالاويين. قاموا بدوريات في المناطق البحرية المجاورة ، ويصدون القراصنة الآخرين ، ويقومون بتوجيه التجار إلى موانئهم في الملايو ويساعدون في الحفاظ على هيمنة تلك الموانئ في المنطقة. في نهاية المطاف ، فالمصادر التاريخية تحكي أن "ناس البحر" المشهورين بخدماتهم المخلصة لملوك سري فيجايا المالاويين ، قد جعلوا سانغ نيلا أوتاما راجا أو ملكاً على تيماسيك. ثم قرر سانغ نيلا أوتاما تسمية تيماسيك باسم "سنغافورة" وأسس عاصمته حول مصب نهر سنغافورة. وكانت المنطقة مناسبة لإقامة مستوطنة جديدة نظراً لوجودها بالقرب من أحد الأنهار والتلال تحيط بها. وكانت المياه العذبة تجري على منحدر التل ، لتخدم كمكان للاستحمام للملوك والنبلاء من علية القوم، وفي أسفل التل، يكون مصدر للمياه العذبة لعموم الناس. إن التل المعروف حالياً بإسم فورت كانينج هيل وهو نفسه المعروف بإسم جبل ميرو في تلك الأيام، يمثل مقر الآلهة في الأساطير الهندوسية البوذية ، التي ارتبطت بالملكية والألوهية في ثقافة جنوب شرق آسيا القديمة. وكان من شأن بناء قصر على التل أن يساعد "سانغ نيلا أوتاما" على تأكيد دوره كحاكم شبه إلهي.
توفي "سانج نيلا أوتاما" في عام 1347 وتبوأ العرش الملك "سري ويكراما ويرا" ، ليصبح ثاني راجا أو ملك لسنغافورة. تم دفن "سانغ نيلا أوتاما" في المكان المعروف الآن باسم فورت كانينج هيل ؛ وإن كان الموقع الدقيق لقبره غير معروف ، على الرغم من أن مذبح كرامات إسكندر شاه قد يتقاسم الموقع مع المدافن الملكية على قمة التل.
وقد جاء في المصادر التاريخية الصينية أن المسافر الصيني "وانغ دايوان" زار سنغافورة حوالي العام 1330 ميلادية وكتب مشاهداته خلال سفره . وهو يصف سنغافورة بأنها تضم مستوطنتين – الأولى اسماها "بانزو" (من الكلمة الملاوية "بانشور" أو نبع المياه العذبة) ، وهي مدينة تجارية سلمية تحت حكم الملك. والمستوطنة الثانية التي يصفها بأنها منطقة تمتد على الأرجح من خليج كيبل جنوبًا إلى الجانب الشمالي الغربي من سنتوسا وناحية الغرب إلى ما يعرف اليوم بمتنزه لابرادور ، ويعيش فيها القراصنة الذين يشنون هجمات متكررة على السفن التجارية المارة. كما يشير إلى أن التجار الصينيين كانوا يعيشون في سنغافورة "جنبا إلى جنب مع السكان الأصليين". كما يذكر بعض السلع التجارية المقايضة في سنغافورة مثل: الذهب الأحمر ، القطنيات المطبوعة ، الساتان الأزرق ، والخشب العطري والكريستال .
وهذا يؤكد أنه في القرن الرابع عشر ، تطورت مملكة سنغافورة بشكل متزامن مع عصرالحقبة المنغولية لحكم الصين وتحولت من مركز تجاري صغير يتبع مملكة سري فيجايا إلى مركز للتجارة الدولية مع روابط قوية مع مملكة أسرة يوان في الصين. غير أن ثروتها وإزدهارها المتزايد أثارا غيرة قوتين في المنطقة في ذلك الوقت وهما مملكة أيوتاياه من الشمال (تايلاند حالياً) ومملكة ماجاباهيت من الجنوب (إندونيسيا حالياً). ونتيجة لذلك ، تعرضت العاصمة المحصنة للمملكة ؛ سنغافورة، للهجوم من قبل غزوتين أجنبيتين كبيرتين على الأقل قبل أن يتم تدميرها من قبل مملكة ماجاباهيت في عام 1398. ليهرب آخر ملوكها باراميسوارا (سري اسكندر شاه) إلى الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو ليؤسس سلطنة ملقا عام 1400 ميلادية.
تذكر الحوليات المالاوية أو "سيجارة مالايو" تفاصيل حكم وأسماء ملوك سنغافورة من "سانغ نيلا أوتاما" (ويعرف أيضاً بإسم سري تري بوانا) وهو من أسس مملكة سنغافورة في العام 1299 وحكمها حتى مات في العام 1347 ليليه الملك "سري ويكراما ويرا" (1347 – 1362) ثم الملك "سري رانا ويكراما" ( 1362 – 1375) ثم الملك "سري مهراجا" (1375 – 1989) ثم الملك "بارام إسوارا" (والمعروف أيضاً بإسم "سري إسكندر شاه") ويعتقد أن "سري اسكندر شاه" كان أول ملك لسنغافورة يعتنق الإسلام.
وجاء في "حوليات المالايو" قصة سقوط سنغافورة وهروب ملكها الأخير والتي بدأت عقب إتهام الملك "سري إسكندر شاه" لإحدى زوجاته بالزنا. وكعقاب ، أمر الملك بتجريدها من ملابسها علانية. وللإنتقام ، قام والد الزوجة ، "راجونا تابا" ، والذي كان مسؤولاً أيضاً في بلاط سري إسكندر شاه ، بإرسال رسالة إلى ملك "ماجاباهيت" سراً ، ومتعهداً بمساعدته إذا قرر ملك ماجاباهيت غزو سنغافورة. وفي عام 1398 ، أرسلت ماجاباهيت أسطولا من ثلاثمائة سفينة حربية رئيسية ومئات من السفن الصغيرة ، تحمل ما لا يقل عن 200،000 رجل. في البداية. كان الجنود من مملكة ماجاباهيت يتعاملون مع المدافعين في المعركة من خارج القلعة ، قبل إرغامهم على التراجع خلف الجدران. ثم قامت قوة الغزو بحصار المدينة وحاولت مرارًا وتكرارًا مهاجمة القلعة. ولكنهم فشلوا بسبب مناعة القلعة. بعد مرور شهر تقريباً ، بدأ الغذاء في القلعة في الانخفاض وكان المدافعون على وشك الموت جوعاً. ثم طلب الملك من "راجونا تابا" توزيع ما تبقى من الحبوب للشعب من المستودع الملكي. وعندها وجد "راجونا تاما" الفرصة للانتقام من الملك ، فكذب على الملك ، قائلاً إن المخازن كانت فارغة. ولم يتم توزيع الحبوب . ثم جاء الهجوم الأخير عندما تم فتح البوابات أخيرًا تحت أمر الوزير الغادر. هرع جنود المجاباهيت إلى القلعة وحدثت مذبحة مروعة. وفقا لسيجارة مالايو ، "تدفق الدم مثل النهر" ، ويقال إن البقع الحمراء التي تظهر في التربة السنغافورية حالياً هي دماء من تلك المجزرة. وفر إسكندر شاه وأتباعه من الجزيرة عندما أيقن من الهزيمة.
بعد تدمير سنغافورة ، تخلى جيش ماجاباهيت عنها وعاد إلى موطنه الأصلي في جزيرة جاوة (إندونيسيا حالياً). كانت سنغافورة مدمرة تماماً، وقد هجرها سكانها بشكل كبير وفقدت وظيفتها كميناء تجاري. ويمثل انتصار ماجاباهيت ضد خصمه المهزوم نهاية قصيرة للتنافس الشرس منذ قرون بين جاوة والملايو في المنطقة. ومع ذلك ، و ليتجدد الصراع بعد سنوات قليلة عندما أسس الملك "سري اسكندر شاه" معقله الجديد على مصب نهر بيرتام في الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو. في غضون عقود ، نمت المدينة الجديدة بسرعة لتصبح عاصمة سلطنة ملقا ، وبرزت كقاعدة أساسية في مواصلة الكفاح التاريخي لسنغافورة وسري فيجايا ، ضد أعدائهم التقليديين في جاوة. بحلول منتصف القرن الخامس عشر ، وجدت مملكة ماجاباهيت نفسها غير قادرة على السيطرة على قوة سلطنة ملقا الصاعدة التي بدأت في السيطرة الفعلية على مضيق ملقا وتوسع نفوذها حتى شمل سومطرة وجاوة فيما بعد. وقد استحوذت أيضا على المجال البحري والتجاري لسنغافورة التي أصبحت تعمل كما في الماضي كمهرب لسفن القراصنة. جذبت ملقا التجار المسلمين من مختلف أنحاء العالم وأصبحت مركزا للإسلام ، ونشر الدين في جميع أنحاء منطقة جنوب شرق آسيا البحرية. أدى توسع الإسلام إلى المناطق الداخلية من جاوة في القرن الخامس عشر إلى التدهور الهندوسي وبالتالي إلى نهاية مملكة ماجاباهيت التدريجي قبل أن تستسلم في نهاية المطاف للقوى المسلمة المحلية الناشئة في أوائل القرن السادس عشر.
وتختفي سنغافورة في طيات التاريخ لتظهر بعد أربعة قرون كمستعمرة بريطانية يؤسسها السير توماس ستامفورد رافلس في العام 1819.. وليبدأ التاريخ الحديث لسنغافورة كما تسجله وثائق الحكومة السنغافورية الحالية وكما يعرفه الشعب السنغافوري.
3
"المشهد الأول"
إنهم يخلدون المستعمر
اليوم، سوف يدهشك كثيراً عندما تسير في شوارع سنغافورة وتتعرف على هذه المدينة الحديثة بمبانيها الشاهقة وطرقها الأنيقة وحدائقها الزاهرة أنه لا يوجد شارع واحد أو طريق ولا مبنى أو محطة مترو بإسم لي كوان يو أو أياً من رفاقه في تأسيس جمهورية سنغافورة. وللحق هناك منشأة تعليمية وحيدة بإسم "مدرسة لي كوان يو للسياسة العامة" وهي إحدى معاهد الدراسات العليا ضمن جامعة سنغافورة الوطنية ثم هناك أيضاً "مدرسة راجا راتانام للدراسات الدولية" و"مدرسة وي كيم وي للإعلام والمعلومات" ضمن جامعة نان يانج التقنية. والحقيقة فإن لي كوان يو ورفاقه لم يكونوا يسمحون بوضع أسمائهم على أي منشأة أو بناية في الوطن ولا مطار أو حتى محطة مترو ولا يوجد تمثال واحد لأي منهم في أي ساحة أو ميدان.
الواقع، عندما تسير في شوارع سنغافورة الحديثة وبخاصة في منطقة وسط البلد قرب محطة مترو الأنفاق المعروفة بإسم سيتي هول سوف يجذبك أسماء الشوارع والأماكن العامة، فأنت تخرج من المترو لتجد نفسك في رافلس سيتي مول ثم تمشي في شارع ستامفورد رود أوتعبر الشارع المواجه لتجد نفسك في رافلس بوليفارد وعلى الناحية الأخرى فندق رافلس وقريباً منه تجد مستشفى رافلس بينما المحطة التالية لسيتي هول في خط مترو الأنفاق هي محطة رافلس بلاس وقريباً منها على الضفة المقابلة لنهر سنغافورة يقف شامخاً تمثال للسير ستامفورد رافلس وتمشي بضعة أمتار قليلة على نهر سنغافورة لتصل إلى مبنى جميل يتميز ببرج الساعة الأنيق وهو مبنى "مسرح وقاعة فيكتوريا للحفلات الموسيقية" وأمامه تمثال آخر للسير ستامفورد رافلس. ثم بعد قليل من إقامتك تكتشف أن هذا البلد "سنغافورة" به العديد من المؤسسات والشركات وحتى المدارس والأندية ، كلها بأسم : رافلس. ويأتي السؤال ملحاً في رأسك: من هو رافلس؟
أسمه توماس ستامفورد رافلس (ويحمل لقب سير) (ولد في 6 يوليو 1781 ، على ظهر سفينة قبالة بورت مورانت ، جامايكا – توفي في 5 يوليو 1826 ، في لندن ، إنجلترا). أجبر على قطع تعليمه في سن الرابعة عشر، ليلتحق بالخدمة في شركة الهند الشرقية البريطانية كموظف بسيط من أجل مساعدة والدته الأرملة وأربعة أخوات. على الرغم من أن تعليمه الرسمي كان غير كاف ، فقد درس العلوم وعدة لغات في وقت فراغه الخاص ، وكان له اهتمام خاص بالتاريخ الطبيعي وعلم النبات. وعندما أصبح في الثالثة والعشرين من عمره عين مساعدا للسكرتارية لحكومة بينانغ البريطانية المشكلة حديثا ، وبينانغ هي جزيرة عند المدخل الشمالي لمضيق ملقا وتتبع ماليزيا حالياً. واشتهر بأنه مؤسس سنغافورة الحديثة وذلك عندما قام بتوقيع معاهدة مع السلطان حسين شاه من جوهور (ولاية في جنوب ماليزيا) في 6 فبراير 1819 والتي منحت شركة الهند الشرقية البريطانية الحق في إنشاء مركز تجاري في سنغافورة ، ومن المعروف أن رافلس قدم العديد من المساهمات الأخرى التي ساعدت على تأسيس سنغافورة كميناء حر مزدهر. ولن تجد أسم رجل واحد مخلداً أو مذكوراً في صفحات التاريخ وأرشيف محفوظات سنغافورة الرسمي أكثر ذكراً أو تخليداً من أسم السير ستامفورد رافلس.
ومن المفارقات العجيبة أن أكثر القصص تفصيلاً عن وصول ستامفورد رافلس في سنغافورة قد تم تسجيلها من قبل رجل لم يكن موجودًا هناك. عبد الله بن عبد القادر، المعروف باسم مونشي عبد الله ، الذي جمع تقارير من الحاضرين لتجميع نسخة من الأحداث التي وقعت خلال وصول رافلس لأول مرة إلى سنغافورة في 29 يناير 1819. وقام بإدراج هذه السرد التاريخي في سيرته الذاتية المعنونة: "حكايات عبد الله" ، واحدة من أهم السجلات الأدبية والتاريخية للمشهد الاجتماعي السياسي في سنغافورة ، ملقا والممالك جنوب شبه جزيرة الملايو مثل مملكة جوهور/رياو ولينجا في مطلع القرن التاسع عشر. "حكايات عبد الله" مكتوبة بلغة المالايو بالخط الجاوي – الخط الجاوي هو خط يستخدم الحروف العربية لكتابة اللغة الملاوية – وكتبها بين 1840 و 1843 ونشرت في عام 1849 لأول مرة ، ويعتبر الكتاب واحداً من مراجع القراءة الإلزامية بين علماء الأدب والثقافة والمتخصصين في اللغة الماليزية وآدابها وهو الأكثر شهرة من أعمال عبد الله بن عبد القادر. وحتى السبعينات من القرن العشرين، تم استخدامه ككتاب دراسي في كل مدرسة من مدارس طائفة المالايو في سنغافورة.
ولد في ملقا (مدينة في ماليزيا الحالية) عام 1797 ، ودرس الشاب عبد الله تحت أفضل علماء المالاويين في مسقط رأسه وقام بقراءة جميع المخطوطات الماليزية التي وجدها في ذلك الوقت. وكانت له موهبة في تعلم وإتقان اللغات فأتقن الإنجليزية والعربية والمالاوية وبعض اللغات الهندية مثل التاميل والهندي. عندما كان في سن الحادية عشرة ، كان الطفل المعجزة يجني المال من كتابة النصوص القرآنية وتعليم الدين للجنود الهنود المتمركزين في ملقا. أطلق عليه الجنود اسم "مونشي" ، وهو ما يعني "مدرس اللغة" ، وهو لقب سيحمله معه لبقية حياته. وعندما يبلغ عمره 14 عاما، أصبح عبد الله من العلماء النابهين في آدب ولغة الملايو فيذهب لتعليم لغة الملايو لبعض الإداريين البارزين والباحثين والمبشرين الأوربيين في مضيق ملقا، بما في ذلك سير ستامفورد رافلس نفسه.
في ديسمبر عام 1810 ، وصل ستامفورد رافلس إلى ملقا وعين عبد الله كناسخ للوثائق والسجلات باللغة الماليزية. كان عبد الله آنذاك الأصغر بين العديد من الكتبة والناسخين العاملين في مكتب رافلس.
في عام 1811 ، اقترح رافلس نقل عبد الله إلى جاوة ، لكن والدة عبد الله رفضت التخلي عن طفلها الوحيد . غادر رافلس إلى جاوة ، ومرة أخرى بعد تسع سنوات في سنغافورة ، يلتقي بعبدالله عندما يعين رافلس عبد الله سكرتيرا له ومترجما. يقوم عبدالله بتدريس اللغة المالاوية لرافلس ، ويعتقد أنه قام بتعليم رافلس العديد من جوانب تقاليد وعادات المجتمع والثقافة الماليزية. عبد الله كان متصلا جدا برافلس. ووصف في سيرته الذاتية، "حكايات عبد الله" كيف أنه عندما علم بمغادرة رافلس سنغافورة إلى أوروبا ، شعر وكأنه يفقد والديه.
كمرجع ومترجم في الشئون المالاوية لرافلس ، ومعلم لغة الملايو لعدة شخصيات إنجليزية ، كان لدى عبد الله مقعد في الصف الأمامي لمختلف التطورات السياسية والثقافية في ذلك الوقت. مما سيكون لديه رؤية مدركة للوقائع ، مصحوبة بميل للوصف الدقيق الحي، وإعطاء القراء في المستقبل صورة غنية من الحياة والشخصيات في سنغافورة وأقليم جنوب شرق آسيا في القرن التاسع عشر.
إستخدم مونشي عبدالله لغة يشوبها الإحترام الزائد الذي قد يصل إلى حد التأليه عندما يتحدث عن البريطانيين وأفعالهم في سنغافورة الأمر الذي جعل كثير من الناس ومنهم والده أن يطلب منه الكف عن إظهار التقديس الكامل للبريطانيين فليس كل ما يفعلونه مقبولاً وأن عليه الرجوع للعادات والدين الإسلامي ففيه ما يكفي من الإرشاد والحكمة. وسوف تظل لغة مونشي عبدالله التي توفر الإحترام الكامل للبريطانيين وأفعالهم بل وتخلدهم هي اللغة المعهودة في سنغافورة حتى يومنا هذا وهو أمر غير مألوف على الإطلاق في اي من مستعمرات الأمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.
ولكن وبالرغم من هذا، فإن كتاب "حكايات عبدالله" يؤرخ لتتابع التغييرات في الحرس الأوروبي في ملقا بين حكم الهولنديين وحكم البريطانيين وكذلك إنشاء مستوطنة بريطانية في سنغافورة في عام 1819، وفترة حكم قصيرة للسلطان حسين شاه خلال الأيام الأولى لإقامة مستوطنة سنغافورة، والتخلي في نهاية المطاف عن الجزيرة من قبل السلطان والتيمينجونج عن سنغافورة لشركة الهند الشرقية. حكايات عبدالله تلتقط بتفاصيل مثيرة ، الوتيرة اللاهثة للتنمية والتطوير في سنغافورة وتحويلها إلى ميناء تجاري ومدينة زاهرة في ظل الامبراطورية البريطانية، مقدماً سرداً لعملية بناء البنية التحتية الجديدة، والطفرة في التجارة والإستثمارات، وتدفق المهاجرين الأمر الذي أدى في النهاية إلى التكوين السكاني المتعدد الأعراق في سنغافورة.
ونحن هنا نعتمد "حكايات عبدالله" كمرجع اساسي لعرض بعض الظروف التاريخية والإجتماعية لتلك الفترة من تاريخ سنغافورة وأقليم جنوب شرق آسيا ولأن "حكايات عبد الله" أحياناً ما تنقل لنا معلومات تاريخية غير دقيقة ، وغموض ونقائص وعلى سبيل المثال روايته عن أول نزول بريطاني عند مصب نهر سنغافورة ، متجاهلاً ذكر وصول ستامفورد رافلس بسبب أنه كان ينقل الحكاية من أفواه الآخرين. فلهذا ولأسباب أخرى فسوف نستند إلى مراجع أخرى بالإضافة إلى إعتمادنا على أرشيف الصحافة في سنغافورة المنشور ضمن أرشيف المكتبة الوطنية في سنغافورة http://eresources.nlb.gov.sg
"المشهد الثاني"
خلفية لابد منها عن الظروف السياسية والتاريخية
في جنوب شرق آسيا (1800 – 1819)
مع بدايات القرن التاسع عشر وبينما أوروبا تشتعل بحروب نابليون ، كانت منطقة شرق آسيا مقسمة بين القوى الأوروبية ، إسبانيا في الفلبين وفرنسا في فيتنام بينما هولاندا في ملقا (ماليزيا) وباتافيا (إندونيسيا) أما بريطانيا العظمى فقد كانت تبحث عن موضع لأقدامها في الشرق الأقصى الغني بالثروات بعد أن ثبتت أقدامها في الهند. وقبل نهاية القرن الثامن عشر نجح البريطانيون في تأسيس أول مركز تجاري لهم في الشرق اللأقصى: جزيرة بينانغ أو جزيرة أمير ويلز كما أطلقوا عليها في سجلات شركة الهند الشرقية (الوكيل المعتمد والممثل الوحيد لأمبراطورية بريطانيا العظمى في الشرق الأقصى من الهند إلى الصين) ، وأنشأت شركة الهند الشرقية مدينة جورج تاون على جزيرة بينانغ في أقصى شمال غرب الملايو لإعطاء موطئ قدم لبريطانيا العظمى في جزر الهند الشرقية (هذه المنطقة تضم الآن دول ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وبروناي) والتي كان يسيطر عليها الهولنديون في ذلك الوقت وحتى يستطيع البريطانيون تأمين خطوط مواصلاتهم الطويلة بين الهند والصين ، ولهذا كان بحثهم الدؤوب في المنطقة المعروفة بإسم مضيق ملقا والتي كانت تمثل طريق التجارة والرحلات البحرية الشهيرة بإسم طريق الحرير البحري.
وأنتقل رافلس للعمل هناك (بينانغ) في 1804 ليبدأ مسيرته من خلال استكشاف مكثف للغة وتاريخ وثقافة الشعوب المالاوية المنتشرة على جزر الأرخبيل في جنوب شرق آسيا. هذه الدراسة الفريدة من نوعها لفتت انتباه اللورد مينتو ، الحاكم العام للهند ، وكانت بينانج إدارياً تتبع سلطة الحاكم العام البريطاني في الهند في ذلك الوقت ، و أيقن البريطانيون أن نابليون قد يستخدم جاوة (جزيرة كبيرة في إندونيسيا) كنقطة انطلاق لتدمير السفن البريطانية البطيئة والمحملة بالعتاد والبضائع في طريقها الطويل من وإلى الصين. وقرر مينتو تعيين رافلس كمساعد له لتحضير الطريق لغزو بحري لجزيرة جاوة.
تعيين رافلس كمساعد للورد مينتو وتكليفه بسلطة واسعة ومستقلة أثار الغيرة بين أقرانه في بينانغ. أنشأ رافلس مقره في ملقا التي أصبحت بشكل مؤقت تحت إدارة بريطانيا كنتيجة لسقوط هولندا في إيدي نابليون. وهناك تعرف رافلس إلى الميجور ويليام فاكهار الذي أصبح الحاكم المقيم البريطاني في ملقا. أبحر مينتو ومعه رافلس إلى جاوة ، حيث هبطت القوة الاستكشافية دون وقوع حادث في أغسطس 1811 وبعد اشتباك قصير وحاد مع القوات الهولندية الفرنسية ، احتلت الجزيرة. أرجع مينتو الفضل الكبير في نجاح الحملة على جاوة إلى رافلس. حيث وصفه بأنه "رجل ذكي جدا، وقادر ونشط وحكيم،" وأعلن تعيينه في منصب نائب الحاكم العام في جاوة يوم 11 سبتمبر 2011 وبعد ذلك بوقت قصير ، أبحر مينتو عائداً لمقره في كلكتا بالهند ، تاركا رافلس في سن الثلاثين ليحكم ليس فقط جاوة بل أيضا إمبراطورية أرخبيلية تضم العديد من الجزر ويسكنها عدة ملايين من السكان.
افتتح رافلس عمله في جاوة بكمية من الإصلاحات التي تهدف إلى تغيير النظام الاستعماري الهولندي وتحسين حالة السكان الأصليين. غير أن إصلاحاته كانت مكلفة للغاية بالنسبة لشركة تجارية مثل شركة الهند الشرقية المهتمة في المقام الأول بالربح وإرضاء رجال الأعمال البريطانيين. قام رافلس بمنع القمار وقتال الديكة ووضع قوانين للحد من تجارة العبيد ثم ألغى النظام الهولاندي في توريد نسبة من المحاصيل وأمر بدفع إيجار محدد عن الأرض المزروعة.
وأثارت تصرفات رافلس ليس فقط غضب القائمين على شركة الهند الشرقية ولكن أيضاً غضب وكراهية أهالي جاوة لأسباب أخرى وخاصة بعد تدميره لعرش سلطان جوك جاكارتا وهجومه على قصره وإهانته للنبلاء والأمراء في جاوة. وكان هذا أمراً غير معهود من الأوربيين وبخاصة الهولانديين الذين إختلطوا وتعايشوا مع أهل جاوة وتكلموا لغاتهم ولبسوا لباسهم فجاء رافلس ليمنع الأوربيين من الإختلاط بأهالي البلاد أو حتى إرتداء السارونج (قطعة قماش يلفها الرجال والنساء على أجسامهم وتمثل الرداء الشعبي لأهالي شرق آسيا من الهند وحتى الفلبيين ويختلف لون القماش والرسوم المنقوشة عليه ونوعية القماش حسب البلد ومكانة الشخص) كما منع رافلس أهالي البلاد من العيش في الأماكن المخصصة لعيش الأوروبيين.
وبعد أربع سنوات ونصف في جاوة ، عانى خلالها رافلس من اعتلال الصحة المتزايد وحطمه موت زوجته الاولى ، تم استدعاؤه إلى لندن. وأصبح عرضة للهجوم الشخصي من قبل الحاقدين عليه وبخاصة بعد وفاة مينتو ، أبحر إلى إنجلترا في 25 مارس 1816 ، مجرداً تماماً من أي دعم ليواجه مديري شركة الهند الشرقية في لندن.
لم يسترد رافلس أبداً ثقة المدراء الكاملة. ولكن وبسبب من ظهوره المبهر في لندن والذي بلغت ذروته في 1817 عندما يتم انتخابه زميلا للجمعية الملكية لحديقة الحيوان في لندن ومنحه لقب فارس، وعندما ينشر كتابه المعنون "تاريخ جاوة" شارحاً تاريخ جزيرة جاوة من بدايات الزمن وتكلم عن سكانها وحيواناتها ونباتاتها ما ساعده على استئناف خدمته في الشرق مرة أخرى وليسافر إلى الشرق مع زوجته الثانية "صوفيا هيل" ليتبوء منصبه الجديد كنائب الحاكم للمدينة المتداعية، بنجكولو على الساحل الغربي لجزيرة سومطرة والتي لاتملك غير ميناء بسيط لتجارة الفلفل الأسود. ومن بنجكولو ، حيث كان يشاهد الهولنديين يستعيدون ملكية الأرخبيل الإندونيسي ويفرضون سياسة الاحتكار التجاري الكامل في جنوب شرق آسيا ، وهو ما جعل خطوته التالية هي توسيع النفوذ البريطاني في جنوب شرق آسيا.
في ديسمبر 1818 ، غادر رافلس كالكتا بحثًا عن مستوطنة بريطانية جديدة لتحل محل ملقا. كانت ملقا واحدة من الأراضي البريطانية العديدة التي أعيدت إلى الهولنديين بموجب معاهدة فيينا بعد نهاية حروب نابليون في أوروبا. كان رافلس قد توقع أنه من دون موقع تجاري بريطاني استراتيجي يقع داخل المضيق (مضيق ملقا)، يمكن للهولنديين السيطرة على تجارة المضيق. وكان عند هذه النقطة أن أدرك أهمية الوجود البريطاني ليس فقط في أن يكون في موقع قادر على تحدى الهيمنة الهولندية في المنطقة، ولكن أن يكون هذا الموقع قادراً على تحقيق أرباح متزايدة باستمرار، على عكس بنجكولو أو باتافيا أو حتى بينانغ.
ومع ذلك، كانت للممتلكات البريطانية وبالرغم من سوء صيانتها وبسبب موقعها الجيد من الأهمية الاستراتيجية مثل بينانغ أو بنجكولو ما جعل من المستحيل بالنسبة للبريطانيين التخلي عن هذه المستعمرات المحدودة الربحية وبخاصة في مثل هذا القرب من الوجود الهولندي في جاوة.
وسعى رافلس في البحث عن بدائل في المنطقة – ومنها جزيرة بانجكا (شرق سومطرة)، والتي كانت قد تنازلت بريطانيا العظمى عنها لصالح الهولنديين بعد غزوها من قبل البريطانيين خلال احتلالهم لجاوة. وكانت جزيرة بنتان (شرق سومطرة) أيضا قيد النظر على الرغم من أن فرانسيس لايت تجاهلها قبل أن يستقر على جزيرة بينانغ كمستوطنة بريطانية في عام 1786، وكان أرخبيل رياو اختيارا جذابا لرافلس حيث أنه يقع إلى الجنوب من شبه جزيرة الملايو وكانت باكينبارعاصمة أقليم رياو في شرق سومطرة و بموقعها على ضفاف نهر سياك وفي مواجهة ملقا ميناء الهولانديين المسيطر على الملاحة في المضيق وكذلك باليمبانغ عاصمة سري فيجايا القديمة في جنوب سومطرة يمثلان هدفين جذابين للأنجليزي الذكي النشط ستامفورد رافلس الذي كان نشطاً وذكياً جداً كما وصفه اللورد مينتو من قبل. إلا أن الهولانديين كانوا له بالمرصاد وسارعوا بحملة عسكرية على باليمبانج وخلعوا سلطانها، السلطان نجم الدين والذي كان موالياً للبريطانيين ونفوا السلطان إلى باتافيا (جاكارتا حالياً) ثم أقاموا حامية عسكرية هولاندية في باليمبانج وأحتجوا لدى حكومة بريطانيا العظمى لمحاولاتهم المستمرة في التدخل فيما يسمونه "مجال التأثير الهولاندي".
في هذه المرحلة من التاريخ ، ظهر أسم سنغافورة إلى الوجود. وكانت المدينة في موقع استراتيجي مفيد ؛ وكان رافلس قد قرأ عنها وسمع أخباراً عنها أثناء عمله في ملقا عندما ألتقى الرائد (كولونيل فيما بعد) ويليام فاكهار المفوض البريطاني المقيم في ملقا وبعد مسح قصير لجزر كريمون (في جنوب سنغافورة)، إتخذ رافلس موقعه في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة الملايو. وثبت له أنه لم يكن هناك وجود هولاندي في جزيرة سنغافورة. كما لم يعد لولاية جوهور أي سيطرة على المنطقة، ولذلك تم الاتصال مع التيمينجونج المحلي : تيمينجونج باللغة الماليزية تعني الحاكم العسكري المحلي ويجمع بين أيديه سلطة الشرطة والجيش معاً حسب تقاليد الحكم الماليزية القديمة. وكانت الاتصالات ودية و توفر لدى رافلس دراية بالوضع السياسي المشوش في ولاية جوهور.
كان الأمير حسين شاه ولي عهد جوهور بعيدا عن جوهور في ولاية باهانج (شمال ماليزيا) من أجل الزواج من أبنة سلطان باهانج ، حين توفي والده ثم أصبح شقيقه الأصغر السلطان ، بدعم من بعض المسؤولين في البلاط السلطاني لسلطنة جوهور ومباركة الهولنديين وبالرغم من معارضة الملكة الأم التي إحتفظت بتاج وصولجان العرش السلطاني ورفضت تسليمهم للأبن الأصغر لعدم أحقيته في العرش.
وقرر رافلس الاعتراف، نيابة عن التاج البريطاني، بحسين شاه بأنه الحاكم الشرعي وسلطان جوهور وجزيرة سنغافورة للتحايل على وضع الحاجة للتفاوض مع سلطان تحت سيطرة الهولنديين. وعرض توفير معاهدة أولية في المنطقة تهدف إلى التفرد بالتجارة والحماية البريطانية للمنطقة. وقام فريق تابع لرافلس بمسح الجزيرة وشرعوا في طلب وجود السلطان ، أو من يمثله في ذلك الوقت ويملك سلطة اسمية على سنغافورة ، للتوقيع على معاهدة رسمية.
بعد بضعة أيام ، تم التوقيع على المعاهدة الرسمية من قبل رجل أدعى أنه يحمل "السيادة القانونية لجميع الأراضي الممتدة من لينجا وجوهور إلى جبل موار(ولاية جوهور في جنوب ماليزيا)". وكان هذا الرجل هو السلطان حسين شاه من جوهور ، الذي وعلى الرغم من عدم وجود اتصال سابق مع البريطانيين ، قد سمع بالتأكيد عن قوة البحرية البريطانية ولم يكن في وضع يسمح له بالمعارضة ضد الشروط. ومع ذلك ، كان رافلس قادرا على سحر الرجل وطمأنته بأن الهولنديين لن يشكلوا أي تهديد في المنطقة.
وصل رافلس في سنغافورة على متن السفينة إنديانا في 28 يناير 1819. وبصحبته وليام فاكهار المفوض البريطاني المقيم في ملقا قبل أن يستردها الهولنديين وبمعيتهم قوة عسكرية صغيرة من الجنود الهنود البريطانيين وألتقى رافلس مع تيمينجونج عبد الرحمن للتفاوض من أجل إنشاء مركز تجاري بريطاني في الجزيرة. وفي 6 فبراير 1819 ، وقع رافلس معاهدة رسمية مع السلطان حسين شاه وتيمينجونج عبدالرحمن وفي هذا اليوم ، تم رفع العلم البريطاني رسميا في سنغافورة عندما قام فاكهار وبرفقته عدد قليل من المالاويين الذين حضروا معه من ملقا ، بتسلق التل المعروف باسم بوكيت لارانغان (التل المحرم باللغة المالاوية وحالياً يعرف بإسم فورت كانينغ). ووضعوا أول مدفع وأقاموا هذا الموقع لرفع علم بريطانيا العظمى على قمة التل، معلناً ولادة سنغافورة كمستوطنة بريطانية.
في ذلك اليوم، أعلن رافلس عن تأسيس ما سيصبح سنغافورة الحديثة ، وتأمين نقل السيطرة على الجزيرة إلى شركة الهند الشرقية (ممثل حكومة بريطانيا العظمى في إستعمار الهند والمستعمرات البريطانية الأخرى شرقي الهند). وخلال الاحتفال ، تمت قراءة المعاهدة الرسمية بصوت عالٍ في اللغات الماليزية والإنجليزية. وبموجب المعاهدة حصل السلطان حسين شاه على مبلغ 5000 جنيه في السنة بينما حصل التيمينجونج المحلي لسنغافورة على 3000 جنيه في السنة ، وكلاهما مبالغ ضخمة في ذلك الوقت ، أي ما يعادل 287،000 جنيه إسترليني و 172،000 جنيه استرليني الآن.
تم تعيين وليام فاكهار رسميًا في منصب المفوض البريطاني المقيم في سنغافورة وتم تعيين رافلس في منصب وكيل صاحب الفخامة الحاكم العام للثلاث ولايات في أرخبيل الملايو: جوهور (جنوب ماليزيا حالياُ) و جزر رياو (جنوب سومطرة حالياً) و لينغين (مجموعة جزر إندونيسية). على الرغم من أن ملكية هذا الموقع (سنغافورة) كانت بريطانية بشكل حصري ، إلا أنه تم إصدار أوامر صريحة إلى فاكهار للحفاظ على حرية مرور السفن البحرية عبر مضيق سنغافورة ، كما تم تأسيس وجود عسكري صغير بجانب إنشاء الميناء التجاري. غادر رافلس في اليوم التالي ، 7 فبراير 1819 إلى مقره في غرب سومطرة بمدينة بنكولين بعد إصدار أوامره لفاكهار والأوروبيين القليليين المتبقين في سنغافورة.
في يناير 1819 ، قبل أقل من شهر واحد من توقيع المعاهدة ، كان يعيش في سنغافورة ما يقرب من 1000 نسمة. كانت تتألف في معظمها من 500 نسمة في منطقة كالانج (شرق سنغافورة حالياً) و مائتي نسمة في منطقة ساليتار (شمال سنغافورة حالياً) و150 شخص في منطقة جيلام (المعروفة الآن بإسم كمبونج جيلام) وعدد غير معروف من مايعرف بناس البحر بالإضافة إلى حوالي من 20 إلى 30 شخص مالاوي في معية التيمينجونج ومثل ذلك العدد من السكان الصينيين.
ومع ذلك ، فقد صدرت الأوامر إلى رافلس بعدم استفزاز الهولنديين ، وتم التنصل الرسمي عن أفعاله من قبل الحكومة البريطانية. وفي لندن ، حاول فيسكونت كاسلر- وزير الخارجية البريطاني - تهدئة المخاوف الهولندية ، وبذلت جهود متواصلة للتوصل إلى اتفاق بين الدولتين والذي تمخض في النهاية عن معاهدة لندن الهولندية البريطانية لعام 1824.
"المشهد الثالث"
إقامة مستوطنة بريطانية في سنغافورة
جاء في "حكايات عبدالله" :"الآن سمعنا الأخبار عن أن مستوطنة قد قامت في سنغافورة. العديد من الناس لم يصدقوا هذا الأمر ، وآخرين قالوا: أنها محض إشاعة كاذبة وأدعوا أن الإنجليز قد ذهبوا هناك لمعاينة المكان فقط، وأضافوا بانه من المستحيل أن تقوم مدينة في سنغافورة حيث أنها جزيرة ملعونة بسبب القتلى من الأزمان القديمة. وأدعى بعض الناس أنه ولو على سبيل الإفتراض أن الإنجليز سوف يقيمون مدينة هناك فسوف يفلسون بسبب التكاليف الباهظة وأن الإنجليز ليسوا على هذه الدرجة من الغباء لكي ينثروا أموالهم في الهباء. كانت هذه هي الآراء المختلفة المنتشرة بين أهالي ملقا."
في البداية لم يكترث الهولانديون كثيراً إذا كان رافلس يبني مستوطنة جديدة في سنغافورة أم لا، لأن سمعة سنغافورة في ذلك الوقت كجزيرة ملعونة وموطن كبير لناس البحر "أورانج لاوت" والمعروف أنهم يعيشون في البحر على المراكب وأحياناً يقيمون بالصيد وفي مواسم أخرى حين تقل الأسماك يتحولون إلى قراصنة ويهاجمون المراكب الصغيرة ليحوزوا على بعض المؤن والبضائع وإذا لم يجدوا يمسكون بالبحارة والمسافرين ويبيعونهم في أسواق الرقيق كعبيد. ثم وصلت الأخبار إلى ملقا عن طريق أهالي ملقا الذين رافقوا فاكهار إلى سنغافورة وذاعت الأخبار عن قيامهم مع الكولونيل فاكهار برفع العلم البريطاني وأكدوا أن سنغافورة أصبحت مستوطنة بريطانية وأن فاكهار أصبح حاكمها البريطاني المقيم وأنه يطلب من أهالي ملقا المساعدة بإرسال المؤن والبضائع مثل الفول والحبوب والبط والفواكه وما شابه وأنه سيدفع مبالغ كبيرة في المقابل لأي شحنة تصل إلى سنغافورة. ولكن العديد من الناس لم يصدقوا هذا الأمر وأعتبروه واحداً من الإشاعات الكاذبة حتى وصل مركب آخر إلى ملقا ومعه رسول من سنغافورة يحمل خطاب رسمي من ويليام فاكهار الحاكم البريطاني المقيم لسنغافورة ويذكر فيه مبالغ كبيرة لقاء الحصول على شحنات من البضائع والمؤن. وبالرغم من مخاطر البحر والقراصنة المنتشرين في ذلك الوقت وبخاصة حول جزيرة سنغافورة إلا أن العديد من أهالي ملقا سوف يركبون الخطر ويشترون بضائع ويستأجرون المراكب طمعاً في الربح الوفير الخاطف الذي سيوفره لهم الملك ويليام فاكهار كما هو مشهور بينهم.
وكان هذا حال الموسرين من أهالي ملقا أما متوسطي الحال والفقراء فقد أشتعل حماسهم أيضاً للسفر إلى سنغافورة حيث الوعود بدخل كبير من العمل كحمالين وخدم وبائعين. وشعر الهولانديين بالقلق على إثر سماعهم بما يجري في سنغافورة مما قد يحول ملقا درة التاج الهولاندي ومركز التجارة في جنوب شرق آسيا إلى مرفأ بلا قيمة. ولاحظ الهولانديون إزدياد خروج السفن والمراكب من ملقا حاملة البضائع والمؤن وعلموا أنها متجهة إلى سنغافورة فمنعوها من الخروج للبحر. اصدروا قراراً بمنع أهالي ملقا وجوهور من السفر إلى سنغافورة ولكن الناس تحايلوا على الأمر وتسللوا من الميناء بمراكبهم فوضع الهولانديون بعض البوارج الحربية وحاصروا مخارج البحر من أمام مصب نهر ملقا وكانوا يصادرون البضائع والمراكب إذا علموا أن وجهتهم سنغافورة. وكلف ذلك الناس خسائر فادحة. ويسجل مونشي عبدالله في حكاياته أنه تم مصادرة حوالي عشرين مركباً في ذلك الوقت على إثر هذا الأمر. ولم تكن هذه هي كل الخسائر بل إن هناك من الناس من إختفوا بعد ذلك عندما خرجوا بمراكبهم ويقال أن بعضهم قد قتل على إيدي القراصنة وآخرين قد بيعوا كعبيد وكان هناك خليج مشهور في ذلك الوقت بإنتشار القراصنة فيه إسمه خليج كوكوب هو قريب من سنغافورة وحالياً يستطيع الزائر لسنغافورة أن يذهب في رحلة سياحية من سنغافورة إلى كوكوب وهي قرية مبنية في وسط البحر ليستمتع السائح بوجبة من أكلات البحر الشهية ويسمع حكايات المرشدين السياحيين عن ناس البحر أو "أورانج لاوت" الذين عاشوا في كوكوب من مثات السنين وبالتأكيد لن يحكي المرشد السياحي الحكاية التي أوردها منشي عبدالله في كتابه "حكايات عبدالله" عن مركب كان عليها 40 شخص مالايو من ملقا وكانوا يقصدون سنغافورة في تلك الأيام بعد تأسيس سنغافورة مستوطنة بريطانية سعياً للعمل هناك عندما هاجمهم القراصنة ورفضوا تسليم أنفسهم أو القفز في البحر وترك السفينة للقراصنة كما يفعل الكثيرون ودافعوا عن أنفسهم فكانت النتيجة أن قتلهم القراصنة جميعاً. والأمر المؤكد أنه وبالرغم من كل ذلك فقد نجح المئات في الهرب من الحصار الهولاندي ومخاطر القراصنة ويصلوا سالمين إلى سنغافورة فمنهم من عمل نجاراً أو حداداً ومن هم من عمل في إنشاء الطرقات وبناء البيوت إلا أن هذا لم يلغي الحقيقة التي يسجلها مونشي عبدالله في أن الناس وبرغم عملهم الدؤؤب والنشط إلا أن نقص البضائع والمؤن قد جعل المعيشة صعبة جداً في سنغافورة بسبب جشع التجار الذين أستغلوا الموقف وضاعفوا أرباحهم وباعوا الفواكه والخضر والحبوب والبيض والبط بأضعاف أثمانهم الحقيقية مما جعل حياة الناس بائسة وصعبة.
في العام 1822 ، سوف يعود رافلس مرة أخرى إلى سنغافورة. كان من دواعي سرور رافلس أن سنغافورة قد نمت بشكل كبير في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن. كانت سنغافورة مركزًا نشطًا للتجارة والنشاط الاقتصادي. وسوف يكتب رافلس تقريراً إلى مجلس مدراء شركة الهند الشرقية في لندن ليوضح لهم لماذا ينبغي على الشركة عدم الإنسياق لتقديم أي تنازلات أمام طلبات الهولانديين الغاضبين والذين يرغبون في طرد البريطانيين خارج ما يعتبرونه "مجال التأثير والنشاط الهولاندي" ، كتب رافلس يقول: "حسب البيان الذي قدمته إلى مجلس مدراء الشركة في فبراير 1821، فقد أوضحت أنه أثناء العامين والنصف السابقين في عمل هذه المنشأة فليس أقل من 2889 سفينة دخلت وأفرغت شحناتها بالميناء. وكان واضحاً أيضاً أن قيمة البضائع في سفن الأهالي والتي وصلت أيضاً وأفرغت حمولاتها وكانت قيمة هذه الحمولات حوالي خمسة ملايين دولار بالإضافة إلى مالايقل عن ثلاثة ملايين أخرى خلال نفس الفترة مما يوفر لنا قيمة رأس مال مدفوعات حوالي ثمانية ملايين."
ومع ذلك ، فقد اعتبر رافلس إدارة فاكهار غير مرضية له حيث أن فاكهار لم يلتزم بأوامره، فيطلب رافلس من شركة الهند الشرقية عزل فاكهار وتعيين بديلاً له.
كان فاكهار قد سمح للتجار (رجال الأعمال) بالتعدي على المناطق المخصصة لإدارات الحكومة ، وسمح للرذائل مثل القمار ، وتدخين الأفيون وتجارة الرقيق أن تنتشر في المدينة الوليدة. ويقرر رافلس أن يضع أمور المدينة الناشئة تحت إدارته المباشرة ويعزل فاكهار ويلح في طلب تعيين وزير مقيم جديد لإدارة شئون المستعمرة.
وضع رافلس سياسات جديدة الغرض منها الحد من تجارة الرقيق والقماروتعاطي الأفيون. وفجأة تحدث جريمة سوف تثير مآسي عديدة في المدينة الناشئة وسوف ينتج عنها أن يعاد النظر في وضع التيمينجونج والسلطان وأحقيتهم في إدارة الجزيرة ولينتهي الأمر بفرض معاهدة جديدة تفرض السيطرة الكاملة لبريطانيا العظمى على سنغافورة.
"المشهد الرابع"
حكاية الرجل الذي فقد عقله
وقائع حكاية الرجل الذي فقد عقله في الأيام الأولى من حكم وإدارة رافلس لسنغافورة وقعت في العام 1823 وحكاها منشي عبدالله في كتابه "حكايات عبدالله" حيث كان شاهد عيان على معظم أحداثها.
إنها قضية رجل أسمه سيد ياسين ويصفه الناس بأنه كان تاجراً محترماً من باهانج (ولاية في شمال غرب ماليزيا) وهو رجل من أصل حضرمي من الذين ينسبون أصولهم إلى بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد شعر الرجل بالإهانة عندما أمر الكولونيل فاكهار بحبسه بسبب دين له لصالح واحد من نبلاء باليمبانج أسمه البنيغران شريف عمر (البنيغران هو لقب الغة المالايو ويعني الأمير أو النبيل) ودين آخر لصالح سيد محمد الجنيد (وهو أيضاً من الحضارمة الذين ينتسبون للبيت النبوي الشريف) وقد رفض الدائنان أن يتنازلا ويؤجلا الدفع وعرض الكولونيل فاكهار المقيم المفوض البريطاني الذي لجأوا إليه للتحكيم أن يقوم الرجل بتقديم ضمانات للدائنيين حتى يوافقا على التأجيل فكان رد الرجل أنه غريب في هذه البلاد وأنه من باهانج ولا يعرفه أحد هنا في سنغافورة. وهنا قال البنيغران أنه متأكد من قدرته على تقديم ضمانات وأنه قد يتهرب حتى لايسدد الدين. ثم طلب من فاكهار أن يسجنه حتى يوفي بدينه أو يجد ضمانات. فيما بعد وعند نهاية اليوم أستطاع سيد ياسين أن يخرج من محبسه عندما أقنع كاتب المحكمة المستر برنارد بأنه ذاهب إلى منزل البينغران ليقنعه بتأجيل الدفع وأنه لا داعي لسجنه. ويذهب سيد ياسين ومعه حارس هندي من المحكمة إلى منزل البينغران الذي يراه قادماً وكانت عادة الناس في تلك الأيام أن يحملوا خنجراً (يسمونه كريس بلغة المالايو) ويفزع البينغران ظناً منه أن سيد ياسين قد جاء ليقتله ويفر من باب خلفي هارباً وفيما يأمر الحارس الهندي سيد ياسين بالعودة إلى السجن لأنه لاداعي لمواصلة إنتظار البينغران وفي ثورة غضبه يفقد سيد ياسين سيطرته ويطعن الحارس الهندي فيسقطه قتيلاً في مدخل منزل البينغران. في هذه الأثناء يلجأ البينغران إلى منزل الكولونيل فاكهار القريب ويخبره بأن سيد ياسين قد فر من محبسه وأنه يطارده ليقتله فيخرج فاكهار على الفور مصحوباً ببعض من حراسه من الجنود الهنود وبرفقته أبنه الشاب أندرو فاكهار للبحث عن الرجل الذي فقد عقله ويلتقي بمونشي عبدالله في الطريق ويحكي له أن رجلاً من الأهالي قد فقد عقله (مستخدماً كلمة أموك لوصف الرجل بلغة المالايو التي كان يجيدها فاكهار كما يذكر مونشي عبدالله في حكاياته) وطلب مرافقته. وفجأة وبشكل غير متوقع يهاجم سيد ياسين الكولونيل فاكهار ويطعنه بخنجره في صدره ويسقط فاكهار صارخاً ويهرع إليه إبنه إندرو الذي ينقض بسيفه على وجه سيد ياسين فيمزقه من أعلى الفم إلى خلف الأذن بينما يهجم الجنديين الهنديين على سيد ياسين بالحراب المثبتة في مقدمة بنادقهم ويجهزون عليه حتى يخر صريعاً بلا حراك. وفيما بعد يأتي العديد من الأوروبيين يحملون الأسلحة ويبادرون بطعن الرجل القتيل والتمثيل بجثته حتى تشوهت لدرجة لم يمكن التعرف على ملامحه. ثم تأتي قوة من الجنود الهنود بسلاحهم ومعهم كابتن إنجليزي والذي يأمر بتوجيه المدافع نحو بيت التيمينجونج على إثر الإشاعة التي سرت في الجو بسرعة عن أن المجرم الذي أقدم على طعن الكولونيل فاكهار هو من رجال التيمينجونج. وفي وسط الفوضى العارمة يصل السير رافلس وينزل من عربته ويبدو عليه الإنزعاج ويتجه مباشرة إلى فاكهار والذي يستطيع الآن الجلوس والحركة بعد أن قام الطبيب الذي حضر إلى المكان مسرعاً بعلاجه وخياطة الجرح والذي إتضح أنه جرح سطحي وأكد الطبيب المعالج أنه لاداعي للخوف أو الإنزعاج ويطمئن رافلس ثم ينظر نحو جثة القتيل ويسأل الحاضرين إن كان أحدهم يعرف من هو إلا أن الجميع لم يتعرفوا إليه وبينما الكابتن الإنجليزي يلح في طلب الإذن من رافلس بإطلاق المدافع نحو بيت التيمينجونج يأمره رافلس مرة أخرى بالإنتظار ثم يحضر كاتب المحكمة المستر برنارد ويجزع لرؤيته جثة الحارس الهندي الموجودة في مدخل منزل البينغران والتي لم يلتفت إليها أحد حتى تلك اللحظة ثم يرى جثة سيد ياسين المشوهة ويتعرف عليه فيخبر رافلس بقصته وكيف أنه أطلق سراحه تحت حراسة الهندي ولم يلتفت إلى حمله للخنجر وأنه وثق في أن سيد ياسين ذاهب لبيت البينغران لكي يقنعه بفك حبسه نظير تقديم بعض الضمانات ، وبحزم شديد وعيون يملأوها الغضب (كما يحكي مونشي عبدالله) يقول له رافلس بهدوء غريب :"هل عرفت أيها السيد أنه لوكان الكولونيل فاكهار قد قتل لكنت قد أمرت بشنقك في سنغافورة على الفور."
ثم جاء السلطان حسين شاه يرافقه التيمينجونج ويحيط بهم النبلاء ورجال القصر والحراس والسادة من أهالي البلد بالإضافة إلى التجار من الأوروبيين وجميع الرجال من مختلف الطوائف. وجلس رافلس إلى منصة أقيمت على عجل وسأل السلطان والتيمينجونج اللذين تبوأ مجلسيهما في المكان: "أريد أن أعرف عن القوانين أو العادات التي تحكم أهل المالايو إذا أقدم أحد الرعية على طعن أو إراقة دم الحاكم أو الملك؟"
ثم رد السلطان في هدوء :"مثل هذه الجريمة التي قد يرتكبها أحد الرعية يعاقب عليها بالإعدام ... إعدام الشخص الذي إقترفها وإعدام كل زوجاته وإعدام كل أطفاله ويقوم أهله بالتبري منه ويتم هدم بيته وتدمير ممتلكاته وإلقاؤها في البحر."
عندما يسمع رافلس هذا الكلام، يتسائل لماذا يتم عقاب الزوجات والأطفال على جريمة لم يعرفوا بأمرها ولم يقترفوها؟!!
ثم يستطرد سير ستامفورد رافلس ويقول: "أيها السلطان ، أيها التيمينجونج ، أيها الناس الحاضرين هنا، إسمعوا ماهو مكتوب في القانون الإنكليزي ، أن القاتل سوف يشنق وإذا لم يكن حياً فسوف تشنق جثته غير مسنودة وبالنسبة للزوجات والأطفال فسوف تصرف لهم شركة الهند الشرقية البريطانية معاشاً حتى إذا تزوجوا أو حتى يكبر الأطفال ويصبحون قادرين على العمل. هذا هو قانون الإنكليز وهذه هي عاداتنا." وهنا يأمر رافلس بأن تحمل الجثة على عرية يجرها الثيران وتدور حول المدينة وتقرع النحاسيات لإخبار الناس أنه لن يعيش وعند موته فسوف يشنق عند نقطة تيلور آيار (منطقة في جنوب سنغافورة) وتترك جثته معلقة لمدة تراوحت بين عشرة إلى خمسة عشر يوماً حتى وافق رافلس أن يأذن بإنزال الجثة بناء على إلحاح السلطان ويتم إنزال الميت وتغسيله ودفنه حسب التقاليد الإسلامية وعادات أهل البلاد كما أمر السلطان ولتقام له جنازة حارة جمعت كل أهالي سنغافورة من المسلمين وعلى رأسهم السلطان حسين والتيمنجونج عبد الرحمن .
يذكر منشي عبدالله في حكاياته أن قبر سيد ياسين، الرجل الذي فقد عقله قد تحول إلى ضريح بعد عدة سنوات قليلة يحج إليه الناس ويتباركون به وأعتبروه واحداً من أولياء الله الصالحين. ويعلق منشي عبدالله أن سيد ياسين لم يرتكب جريمة يستحق عليها كل ذلك وأن الناس ولفترة طويلة ظلوا يتسائلون ماذا فعل الرجل ليستحق كل ذلك؟ فهو من نسل النبي صلى الله عليه وسلم وحبسه نظير دين بسيط كان خطأ من قبل الكولونيل فاكهار الذي أراد محاباة البينغران ثم أن سيد ياسين قد قتل عبداً هندياً وكان كافراً هندوسياً ثم إعتدى وجرح الكولونيل الإنكليزي (فاكهار) وهو نصراني ، فما الخطأ؟!! ولماذا إستحق القتل والتمثيل بجثته ثم شنق جثمانه الكريم وتعليقه في الهواء لعدة أيام ؟!!
الواقع أن حكاية سيد ياسين الرجل الذي فقد عقله سوف تظل شاهداً على همجية وبربرية المستعمر البريطاني والمتمثلة في حقيقة أن أبن فاكهار قد قام فعلياً بقتل سيد ياسين لمجرد أنه إعتدى أو جرح والده ، ولم يتم محاكمته على جريمة القتل أضف إلى ذلك أنه لا يوجد أي دليل على أن سيد ياسين هو القاتل الفعلي للحارس الهندي ، لا شاهد ولا إعتراف من سيد ياسين ولكن الأمر محض تفسير لما قد حدث. ثم أن المستوطنين الأوربيين في حالة من الهرج والمرج والجلبة الصاخبة على أثر سقوط سيد ياسين قتيلاً يأتي كل واحد منهم وبلا رحمة أو شفقة أو فهم حقيقي لما جرى ويطعن القتيل ويمثلون بجثته حتى تشوهت ملامح وجهه وبات من العسير التعرف عليه ، ومرة أخرى لا محاكمة ولا تحقيق في هذا الأمر لأن الذي قتل ومثلت بجثتها هو واحد من الأهالي المحليين المالاويين كما وصفوه وهو ما سيكشف عن حالة كراهية دائمة ومستمرة حتى اليوم الحالي لكل ماهو مالاوي من قبل الآخرين بما فيهم الصينيين والأوربيين على حد سواء.
ثم يأتي قرار رافلس المشوب بالحكمة المصطنعة في رده على السلطان بشنق المذنب حتى بعد موته أو قتله. وهو الأمر الذي لم يكن معهوداً لدى الحكام المالاويين وخاصة أن الحقيقة التاريخية أيضاً تؤكد أنه لم يحدث إطلاقاً أن تجرأ أي من الرعية المالاويين على الإعتداء على سلاطينهم أو أمرائهم وحكامهم بل كانت الرعية دائماً تتشرف بخدمة السلاطين والأمراء والحكام وهو ما كان ستامفورد رافلس يعتبره نوعاً من العبودية.
ثم يتم تجريس جثة الرجل القتيل سيد ياسين بوضعها على عربة تجرها الثيران وبعد ذلك شنق جثته في أحد ساحات المدينة وسط غضب وحزن جارفين من جميع الأهالي المسلمين وليس المالاويين فقط وبينما يلح السلطان على رافلس لإنزال الجثة ودفن الرجل يظهر الأوربيون والصينيون شماتة في موت الرجل وأنه قد صار عبرة لمن لا يعتبر ثم سرعان ما تتحول الشماتة إلى ذعر وخوف من رد فعل الطائفة المالاوية وسوف تبقى هذا الحادثة معلقة كظلال تهديد ووعيد في سنغافورة لفترة طويلة بشعور دائم لدى الأوربيين والصينيين خوفاً من إنتقام المسلمين وبأن هذه الحامية الصغيرة سوف تكون فقط قادرة على تقديم أقل القليل من الحماية اللازمة لهم.
"المشهد الخامس"
خطة بناء سنغافورة عند رافلس
عندما عاد ستامفورد رافلس إلى سنغافورة في أكتوبر 1822 ، أدرك أن ويليام فاكهار ، أول مقيم بريطاني وحاكم لسنغافورة ، لم يتبع تعليماته بشأن تخصيص الأراضي في مناطق المدينة الجديدة. وعلى الفور شكل رافلس "لجنة المدينة" في نوفمبر في الشهر التالي لمعالجة هذه المسألة. تألفت "لجنة المدينة" من تاجر أوروبي أسمه أليكسندر إل. جونستون ، وإثنين من المسؤولين البريطانيين هما الكابتن ديفيز وجورج بونهام ، وكانت مهمتهما الرئيسية استشارة ممثلين من الطوائف الملاوية والصينية والبوجيز والجاويين والعرب في المسائل المتعلقة برسم الأحياء و إعادة التوطين بسبب خطة المدينة المنقحة.
تم تعيين الملازم فيليب جاكسون لمساعدة هذه اللجنة في مراجعة خطة تخطيط المدينة وفقًا لتعليمات رافلس. أصبحت الخطة المعروفة بإسم خطة جاكسون أول خريطة معروفة ومعتمدة للمدينة في سنغافورة. بناء على تعليمات رافلس. تضمنت الخطة تشكيل أحياء منفصلة لإيواء المجموعات العرقية المختلفة ، وتوفير المرافق مثل الطرق والمدارس والأراضي للمباني الحكومية. وقسمت المدينة إلى أربعة أحياء منفصلة ، في الوسط وبالقرب من نهر سنغافورة وحتى تل فورت كانينغ خصصت الأراضي لبناء إدارات الحكومة المختلفة ومحال التجارة العامة ثم بيوت الأوروبيين ، وعلى الضفة الأخرى من نهر سنغافورة خصصت الأراضي للصينيين والهنود في منطقتي طريق ساوث بريدج وطريق نيو بريدج وهو ما سيشكل الحي الصيني المعروف حالياً ، في حين تم تخصيص سكن العائلة المالكة من المالاويين في منطقة كمبونج جيلام ، في شمال شرق المدينة الأوروبية المقترحة بين ساحل البحر ونهر روتشور حيث أنشيء المسجد الكبير، المعروف بإسم مسجد السلطان وبجواره قصر السلطان والذي تحول حالياً إلى متحف. ومازالت شوارع كمبونج جيلام تحمل الأسماء العربية مثل شارع العرب وشارع بغداد وشارع البصرة وشارع مسقط وغيرها حتى اليوم. وفي كمبونج جيلام خصصت مواقع لبيوت العرب وقام قريباً منهم كمبونج بوجيز للأهالي المنحدرين من إقليم بوجيز وإقليم جاوة (كلاهما في إندونيسيا حالياً). ويلزم هنا توضيح أن كلمة "كمبونج" باللغة الماليزية تعني قرية.
ثم وضع رافلس إدارة العدالة (أو القضاء) لضمان السلام والنظام في سنغافورة المزدهرة. وأقام محكمة ، ثم عين قضاة ، وأمر بأن تكون المحاكمات من قبل هيئة محلفين. وكان ذلك نتيجة مباشرة بسبب لجوء الناس للحاكم البريطاني ليحكموه بينهم مثلما حدث في قضية البينغران وسيد ياسين.
ابتكر رافلس مجموعة من السياسات واللوائح التي حددت أهداف ميناء سنغافورة ، للتأكيد على إقامة سنغافورة كميناء حر. كان واضحاً عند رافلس أنه تم اختيار سنغافورة ، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي ، للتنافس مع موانئ أخرى تحت سيطرة الهولنديين في جنوب شرق آسيا.
تصورسير ستامفورد رافلس فكرة إنشاء مؤسسة تعليمية رائدة في سنغافورة في سبتمبر 1819. كان أحد أهداف المؤسسة ، كما فكر فيها رافلس ، هو تزويد أطفال نبلاء المالايو ورجال الأعمال الصينيين بالتعليم. وكان قد اقترح على السلطان حسين شاه والتيمننجونج عبد الرحمن أن يرسلا أبنائهما إلى كلكتا في الهند ، لتلقي تعليمهم ، ولكنهم لم يوافقوا على إرسال أبنائهم إلى الهند. وبالتالي ، فإن رافلس تصور أن مؤسسة في سنغافورة ستتيح لأبناء طبقة النبلاء المالايو الحصول على التعليم الذي يعتبره رافلس أمراً حسناً دون الحاجة إلى سفرهم خارج سنغافورة. أراد رافلس أيضًا أن تقوم المؤسسة بتزويد الأوروبيين المقيمين في جنوب شرق آسيا في ذلك الوقت بتعلم اللغة المحلية. بالإضافة إلى ذلك ، تمنى رافلس أن تكون المؤسسة مركزًا للبحوث والبحث العلمي. كتب رافلس رسالة إلى ابن عمه في 12 يناير 1823 ، حيث ذكر أنه وجد موقعًا مناسبًا للمؤسسة. وتقرر أن تكون المؤسسة موجودة على ناصية مايعرف اليوم بطريق براس باساه وشارع فيكتوريا.
وفقا لسجلات مونشي عبد الله ، في 5 يونيو 1823، قام سير ستامفورد رافلس بوضع حجر الأساس في الساعة 6:00 صباحا بحضور السلطان والتيمينجونج وحشد كبير من المدعوين. كجزء من الاحتفال ، وتم وضع بعض من عملات الروبية الذهبية والدولارات الاسبانية في صندوق ثم تم إغلاق الصندوق باللحام ودفنه في الأرض. بعد ذلك ، تم إطلاق تحية من 12 بندقية ، وأعلن رافلس أن المبنى هو "المعهد". تم الانتهاء من المبنى في عام 1837 ، وتم شغله من قبل مدرسة سنغافورة الحرة التي عملت كمدرسة حرة في سنغافورة. وفي عام 1856 ، تم تغيير الإسم ليصبح "معهد سنغافورة" . ثم أنشئت مكتبة سنغافورة (المعروفة الآن باسم المكتبة الوطنية) داخل مبنى معهد سنغافورة في 22 يناير 1845.
وفي التقرير السنوي للمدرسة لعام 1868 أصبح يشار إلى المدرسة باسم "معهد رافلس".. اليوم معهد رافلس يعد أهم وأكبر منشأة تعليمية في سنغافورة ولا يدخلها إلا المتفوقين والنبهاء من الطلاب.
في 9 يونيو 1823 يصل الدكتور جون كروفورد خلفاً لوليام فاكهار كمقيم بريطاني (حاكم) في سنغافورة . وكان كروفورد قد إنضم إلى الخدمة الطبية في شركة الهند الشرقية في عام 1803 عن عمر يناهز 20 عامًا وتم تعيينه في بينانغ في عام 1808. كان كروفورد معروفًا كمسؤول إداري محنك وكاتب مؤلف. وشملت اهتماماته اللغات والتاريخ والإدارة السياسية. كما قام كروفورد بتأليف العديد من الكتب حول المناطق المحيطة بسنغافورة ، بما في ذلك تاريخ الأرخبيل الهندي ، والقواعد النحوية للغة الماليزية ، والقاموس الوصفي لجزر الهند الشرقية والدول المجاورة. خلال سنوات كروفورد في سنغافورة ، كانت هناك زيادة ملحوظة في عدد السكان والتجارة والإيرادات. حتى أنه يقال: "في حين وضع رافلس وفاكهار الأساس لتأسيس سنغافورة ، كان كروفورد هو الذي حول حلم رافلس إلى حقيقة واقعة".
ومن المعروف أنه وعندما عاد رافلس إلى سنغافورة في أكتوبر عام 1822 ، أنه ولحماية المصالح البريطانية في مواجهة الاضطرابات السياسية الوشيكة داخل مملكة جوهور/رياو ولينجا وتجنباً لتدخل الهولانديين في سنغافورة، عمد رافلس إلى وضع التشريعات والنظم التي تؤكد على سلطة البريطانيين في سنغافورة ، الأمر الذي أدى إلى التآكل السريع لسيطرة الزعماء المالاويين (التيمينجونج والسلطان)، واستمر الضغط على زعماء المالايو للتخلي عن أراضيهم في ظل المقيم البريطاني الثاني جون كروفرد ، الذي تم تفويضه لفرض السيطرة البريطانية الكاملة على الجزيرة وعزل حكام المالاويين عن سلطة الحكم في سنغافورة بعد رحيل رافلس.
وبات واضحاً ، أن الوجود البريطاني في سنغافورة أدى إلى هياج الهولنديين ، الذين استعادوا هيمنتهم منذ عام 1816 على جزر الهند الشرقية بعد هزيمة نابليون في أوروبا. أسفرت الصراعات الأنجلو ـ هولندية في جنوب شرق آسيا عن اشتباكات متكررة ونزاعات لفظية بين بريطانيا العظمى وهولندا منذ القرن السابع عشر. ولتخفيف بعض التوترات ، وقعت القوتين الأوروبيتين (بريطانيا العظمى وهولاندا) في لندن معاهدة 17 مارس 1824 التي حددت بوضوح المصالح الإقليمية لكل بلد في المياه المحيطة بسنغافورة. ووفقا لشروط المعاهدة ، فإن جميع المستوطنات البريطانية في سومطرة ، بما في ذلك بينكولين والتي كان من المقرر تسليمها إلى الهولنديين مقابل ملقا كما تخلى الهولنديون عن مطالبتهم بسنغافورة في مقابل جزيرة بيليتون التي تسيطر عليها بريطانيا وغيرها من الجزر الصغيرة الواقعة جنوب سنغافورة. كان توقيع معاهدة لندن بين بريطانيا العظمى وهولندا في المقام الأول تسوية لفترة طويلة من النزاعات الإقليمية والتجارية بين البلدين في جنوب شرق آسيا. أعادت المعاهدة تعريف مجالات نفوذ هاتين القوتين الاستعماريتين في المنطقة ، مما أدى في النهاية إلى تشكيل الملايو البريطانية وجزر الهند الشرقية الهولندية.
كان الهدف من المعاهدة البريطانية-الهولندية لعام 1824 ، والمعروفة أيضًا بمعاهدة لندن ، هو تسوية هذه النزاعات مرة واحدة وإلى الأبد. كان لدى المعاهدة ثلاثة أحكام: الإقليمية والتجارية والمالية. بموجب الشروط الإقليمية ، تنازلت هولندا عن جميع منشأتها في الهند إلى بريطانيا ، وسحبت جميع الاعتراضات على الوجود البريطاني في سنغافورة ، وتخلت عن ملاكا (ملقا) وكل المناطق المرتبطة بها لبريطانيا. في المقابل ، تنازلت بريطانيا عن بينكولين (بنجكولو) وجميع ممتلكاتها الأخرى في سومطرة إلى هولندا. بالإضافة إلى ذلك ، لا يمكن لأي طرف أن يوقع أي معاهدة مع أي حاكم أو دولة في دائرة نفوذ الطرف الآخر. بموجب البنود المذكورة أعلاه صارت جميع أقاليم المالايو وسنغافورة فعليًا تحت سيطرة البريطانيين ، في حين أن معظم ما هو اليوم أندونيسيا أصبحت تحت الحكم الهولندي.
أكدت الأحكام التجارية للاتفاقية الاحتكار الهولندي على تجارة التوابل في مالوكو (جزر الملوك أو جزر التوابل الواقعة في جنوب جزيرة سيلاواسي الإندونيسية) ولكن ليس من تجارة أرخبيل الملايو. وافق الهولنديون على عدم التمييز بصورة غير عادلة ضد التجارة البريطانية ، فضلا عن التخلي عن أي معاهدات احتكارية موجودة لديهم في شبه جزيرة الملايو. كما اتفقت الدولتان على السماح بحرية الاتصال بين السكان المحليين للموانئ المختلفة التي تنتمي إلى مناطق نفوذهم ، والتعاون في قمع القرصنة في البحار. استقرت الأحكام المالية على جميع المطالبات المعلقة بين البريطانيين والهولنديين ، والتي وافق فيها الهولانديون على دفع 100،000 جنيه إسترليني إلى البريطانيين.
بعد تأمين سنغافورة حسب معاهدة مارس 1824 ، ضغط كروفورد بقسوة على حكام الملايو للتنازل عن الجزيرة للبريطانيين. وفي ذلك الوقت ، كان واضحاً أن سنغافورة لكي تصبح أكثر إزدهاراً ، ومن أجل الحفاظ على نموها المتواصل ، كان من الضروري الاحتفاظ بالجزيرة والسيطرة الكاملة عليها من قبل البريطانيين مع استبعاد الزعيمين المالايو (السلطان والتيمينجونج).
بدأ كروفورد مفاوضات حول توقف سنغافورة عن دفع المخصصات المالية لزعماء المالايو في مايو عام 1824. ومارس ضغطًا شديداً على السلطان والتيمينجونج بالتهديد بوقف رواتبهم ثم تركهم بدون رواتب لمدة ثلاثة أشهر ، وهي خطوة زادت بسببها الديون المتزايدة لدى الزعيمين. ولتحسين الصفقة ، وعد كراوفرد بإلغاء ديون زعيمي المالايو ، ومواصلة منحهم المخصصات المالية المقررة لمدى الحياة بالإضافة إلى دفع مبلغًا إضافيًا وقدره 20000 دولار أسباني لكل منهما بعد قبول المعاهدة التي يتنازلون بموجبها عن سنغافورة إلى البريطانيين.
وفي النهاية ، ارتضى الزعيمان بعد مقاومة يسيرة وأعطيا موافقتهما على معاهدة الصداقة والتحالف (المعروفة أيضًا باسم "معاهدة كروفورد")، والتي تم توقيعها في 2 أغسطس 1824 ، بالتنازل رسميا عن سنغافورة والجزر والمياه الاقليمية في حدود 10 أميال (حوالي 18.6 كم) بشكل دائم لشركة الهند الشرقية البريطانية ومن يرثها. وسُمح للسلطان والتيمينجونج بالاستمرار بالعيش في سنغافورة وخصصت لهم أراضي خاصة في سنغافورة ومنها مسجد وبيت التيمينجونج اللذين مازالا قائمين حتى اليوم تحت موينت فايبر في مواجهة فيفو سيتي شوبنج مول وقصر السلطان ومسجده اللذين اصبحا اليوم من اشهر المزارات السياحية حالياً ويقعان كما ذكرنا من قبل ، في منطقة كمبونج جيلام بالقرب من شارع العرب في سنغافورة.
كان كروفورد مقيماً في سنغافورة (حاكماً) حتى عام 1826 وعاد إلى المملكة المتحدة في عام 1830. وفي العام الأخير من حياته في عام 1868 ، أصبح كروفورد أول رئيس لجمعية مستوطنات المضيق التي تشكلت في لندن لحماية مصالح المستوطنات البريطانية في جنوب شرق آسيا.
والواقع أن رافلس أيضاً لم يمكث طويلاً في سنغافورة ، وبمجرد وصول المقيم البريطاني الجديد لسنغافورة الدكتور جون كروفورد وفي 9 يونيو 1823 ، شعر رافلس بأن عمله في تأسيس سنغافورة قد انتهى ، فيصعد على متن سفينة مغادراً سنغافورة للأبد إلى منزله في إنجلترا ، تلك الرحلة التي إستغرق فيها أكثر من عام وشهد خلالها العديد من المآسي ومنها موت أبنته الصغيرة فلورانيتينجل عند توقفهم في بينكولين ثم تحترق السفينة التي يركب على متنها بعد إبحارها من بينكولين وبالرغم من نجاته وجميع المسافرين إلا أنه يفقد جميع اوراقه ووثائقه ورسوماته، ليصل في النهاية مع زوجته إلى إنجلترا في 22 أغسطس 1824 ، بعد أكثر من عام من مغادرته سنغافورة. وكانت أطول فترة حكم له في سنغافورة ثمانية أشهر فقط ، ولكنه اليوم يحتفل به مؤسساً لسنغافورة بينما يذكر في إنجلترا كمؤسس لحديقة الحيوان في لندن.
جدير بالذكر هنا ، أن رافلس لم يتم منحه معاشًا تقاعديًا من شركة الهند الشرقية نهائياً، بل تم إجباره بحكم محكمة بريطانية وبشهادة ويليام فاكهار ضده على دفع أكثر من اثنين وعشرين ألف جنيه إسترليني مقابل الخسائر التي تكبدتها الشركة أثناء إدارته لسنغافورة بسبب منعه للقمار وإلغاؤه لتجارة الرقيق وإصداره لوائح خاصة بتحويل سنغافورة إلى ميناء حر. وسرعان ما توفي رافلس في منزله بشمال لندن ، قبل يوم واحد من عيد ميلاده ال 45 ، في يوم 5 يوليو 1826.
4
الحكام الأوائل لسنغافورة
تاريخياً ، أستوطن "أورانغ لاوت" – ومعناها: ناس البحر- الجزر المنتشرة في المنطقة الممتدة جنوب شبه جزيرة الملايو والمعروفة بأسم "أرخبيل لينجا – رياو" وبما في ذلك جزيرة سنغافورة . كان الأورانج لاوت يعيشون على المراكب في البحر ويمارسون حياة الرحالة كصيادي سمك ويقومون بالتبادل التجاري المحدود مع المراكب والسفن المارة وقد يقومون ببعض أعمال ما أسماه الأوربيين "القرصنة" إذا سمح الأمر فيحصلون رسوم مالية أو عينية نظير عبور السفن والمراكب وبخاصة خلال المياه الضحلة أو أماكن الشعب المرجانية. وكانوا أيضاً يؤدون مهام وخدمات عديدة للنبلاء والأمراء والسلاطين المالاويين كلما إقتضت الحاجة. وكان هناك قبائل مختلفة من الأورانج لاوت، فليس كل الرؤوس رؤوس كما قيل فيما سبق، وكان من بين الأورانج لاوت إرتفع شأن "الأورانج جلانج" المنحدرين من جنوب جزر رياو وكانوا معروفين بشدة بأسهم كمحاربين أقوياء. وأحياناً كانت تقع بعض الحوادث المؤسفة عندما ترفض بعض المراكب دفع الرسوم أو تقديم بعض الهدايا العينية والمالية للأورانج لاوت في عرض البحر. وكانت سفن ومراكب الأورانج لاوت بإختلاف طوائفهم وقبائلهم تتبع طريقاً محدداً متجهاً نحو الشرق بطول الساحل الشمالي لجاوة ثم تدور حول الساحل الجنوبي لجاوة لتصل إلى أمام باليمبانج وجزيرة بانجكا والجزر المجاورة. وكان زعماء المالايو يمدونهم بالسلاح والمؤون في مقابل الحصول على نصيب من الغنائم.
كان التيمينجونج عبدالرحمن واحداً من الزعماء الرئيسيين للأورانج لاوت وهو يدين بالولاء لسلطان مملكة "جوهور-رياو-لينجا" وقيل أن التيمينجونج عبدالرحمن كان قادراً على تجنيد ألف ومائتي رجل مسلحين في 50 سفينة مما كان يشكل أسطول حربي صغير ومخيف في البحر. وكنتيجة لوفاة السلطان الأكبر سلطان جوهور ورياو ولينجا وتسليم الحكم للأخ الأصغر تحت رعاية الخال الدي كان ينحدر من بوجيز ولديه قوة عسكرية من بوجيز يرهب بها أي طامع أو مزاحم في الحكم وبمباركة الهولانديين.
إقتنع التيمينجونج عبدالرحمن أن الحكمة تقتضي عليه الإنسحاب بعيداً عن مقر الحكم في رياو وأن يلجأ إلى جزيرة سنغافورة الصغيرة والتي كانت تحيط بها لعنات القدماء ويذهب هناك مع رجاله الأقوياء ليقيم قرية صغيرة عند مصب نهر سنغافورة وسرعان ما أقيمت بيوت ومنازل وأكواخ لمعيشة المالاويين والأورانج لاوت وأورانج جيلام وأورانج جالانج وغيرهم من أتباع التيمينجونج الاقوياء.
وكان يوجد على الجزيرة أيضاً حوالي عشرين مزرعة من أشجار الجامبير وكان يقوم على رعايتها بعض الأهالي المحليين من المالاويين والصينيين وكان الجامبير يتم حصاده ثم يباع كمكون ضروري في صناعات الصباغة والدباغة.
وبالرغم من النشاط البحري المتزايد في منطقة جنوب شرق آسيا، كانت جزيرة سنغافورة في ذلك الوقت تعاني من الركود وكان الممر البحري عند جنوب الجزيرة والذي يمر خلال ميناء كيبل القديم والذي يحتمل أنه كان يمثل الممر الرئيسي بين مضايق ملقا وبحر الصين الجنوبي في وقت من الأوقات قد أصبح مهجوراً حيث كانت هناك متاهة من الشعاب المرجانية والمياه الضحلة بالإضافة إلى الجزر المدمرة والمهجورة مما يجعل الإبحارعملية مخاطرة غادرة خاصة وأن المخاطر الطبيعية قد إختلطت في الغالب بالحروب والقرصنة.
كنتيجة لكل ذلك، فقد تعمد البحارة الأوربيين خاصة تجاهل وجود ممر كيبل البحري جنوب سنغافورة وكانوا يفضلون ممر أو مضيق تيبراو (جوهور) بين الساحل الشمالي لسنغافورة وساحل جوهور كممر وحيد وكانوا يسمونه "مضيق سنغافورة القديمة". وكان يسيطر على المضيق "أورانج لاوت" والمعروفين بإسم "أورانج سيلات" أو "ناس المضيق" وكانوا يتجولون في هذا المضيق لتبادل الفواكه والخضراوت والأسماك مع السفن والمراكب المارة ويتهيؤون الفرص للحصول على أي منفعة قد تأتي إذا صادفت أي سفينة مشكلة في العبور خلال المياه الضحلة.
الواقع أن سنغافورة كانت مجرد مشارك صغير في منظمة واسعة النطاق تمارس مهنة "القرصنة" تحت سيطرة التيمينجونج الفضفاضة بينما كان المقر على جزيرة جالانج جنوب بينتان في أرخبيل رياو. وكان ناس المالايو بشكل عام يتكسبون عيشهم من صيد الأسماك والتبادل التجاري المحدود مع السفن المارة في مياههم الأقليمية وكانوا أيضاً يتعيشون من تحصيل "رسوم المرور في بحارهم الاقليمية" من السفن والمراكب الصغيرة. وكانت مضايق سنغافورة شهيرة بأنها واحدة من أماكن لقاء الأورانج لاوت بعد نهاية حملاتهم السنوية وأحياناً كانوا يوجهون المراكب التي يصادرونها بعد مقاومة بحارتها ورفضهم لدفع أي عوائد مادية أو عينية للأورانج لاوت الذين كانوا لا يترددون عن قتل البحارة أو القبض عليهم وبيعهم فيما بعد كعبيد والحصول على المركب كاملة كغنيمة ويتجهون بها نحو نهر سنغافورة بينما كانت جزيرة لينجا هي السوق الرئيسي لبيع غنائمهم.
كان التيمينجونج عبد الرحمن يولي إهتماماً كبيراً لمراكب وسفن الأورانج لاوت وكانت تستقر مراكبهم وسفنهم عند مصب نهر سنغافورة وبالقرب من بيت التيمينجونج. وكان التيمينجونج يتميز بسرعة البديهة وكان داهية ، نشيطاً وذكياً وصاحب علاقات متنوعة. و كان يستطيع أن يلمح أي فرصة للثراء والنفوذ مما جعله مستعداً لإستحسان الآفاق الجديدة للطموح والسلطة التي فتحت له بوصول سير ستامفورد رافلس المفاجيء إلى جزيرة سانت جون بالقرب من شواطيء سنغافورة، فيبعث التيمينجونج برجاله إلى رافلس للترحيب به وبرفقته ويليام فاكهار وليؤكدوا له الأخبار بإنعدام الوجود الهولاندي على الجزيرة وفي المساء يستقبلهم التيمينجونج في بيته على ضفاف نهر سنغافورة.
في اليوم التالي يستكملون مباحثاتهم ويحكي لهم التيمينجونج على حقيقة النزاع بين أبن أخيه حسين وهو الأبن الأكبر للسلطان سري محمود شاه الذي توفي فجأة وبين الأبن الأصغر عبد الرحمن (وهو أخ غير شقيق لحسين من أم ترجع أصولها إلى البوجيز وهم معروفين كمحاربين أشداء) وبالرغم من أحقية حسين في التاج وخلافة أبيه على عرش مملكة جوهور ورياو ولينجا وعدم ممانعة الأخ الأصغر في إعطاء الحكم لأخيه الأكبر ولكن بسبب تدخل زعيم البوجيز وخال الأبن الأصغرعبدالرحمن الذي إستغل غياب حسين وبدعم من الهولانديين يستبعد حسين عن البلاط الملكي. وكان واضحاً أن التيمينجونج يدعم أبن أخيه الأكبر حسين ويؤيد حقه في عرش أبيه وخلافته في الحكم.
في يوم 30 يناير 1819 وقع ستامفورد رافلس وتيمينجونج عبدالرحمن إتفاقاً مبدئياً "أنه بأسمه تيمينجونج عبدالرحمن وبإسم سري سلطان حسين محمود شاه، راجا (ملك) جوهور، يسمحون للشركة البريطانية للهند الشرقية بإقامة منشأة وفي المقابل تدفع الشركة عائد سنوي قيمته 3000 دولار أسباني لحضرة التيمينجونج."
وبينما ذهب فاكهار مدعماً بسفينتين حربيتين وحوالي أربعين من الجنود البريطانيين والبحارة إلى رياو ليقابل زعيم البوجيز نائب الملك (خال الملك الصغير) ليحصل على إعترافه بالوجود البريطاني على جزيرة سنغافورة. ويذهب وفد من أقرباء السلطان الذين يعيشون في كنف التيمينجونج إلى حيث يعيش السلطان حسين محمود شاه لإحضاره إلى سنغافورة. وفي نفس الوقت يتم إنشاء خيام وتمهيد موقع خاص للإحتفال وبناء أكواخ خشبية لإقامة السادة الجدد.
بينما يقابل فاكهار ببرود ورفض متوقع في رياو من قبل زعيم البوجيز ، يصل السلطان حسين إلى سنغافورة مذعوراً ومتشككاً من هذا التحول في الحظ الذي أصابه فجأة وبغير توقع.
في يوم 6 فبراير 1819 ، أقيم إحتفال رسمي وتم توقيع إتفاقية التحالف والصداقة مع صاحب الجلالة السلطان حسين محمود شاه، سلطان سنغافورة وجوهور ووقعها عن الشركة البريطانية للهند الشرقية السير ستامفورد رافلس تأكيداً على حق في إنشاء محطة تجارية نظير دفع مخصصات سنوية مبلغ 5000 دولار للسلطان ومبلغ 3000 دولار للتيمينجونج. وأقيم إحتفال رسمي بهذه المناسبة بقدر ما سمحت به الظروف. وكان اليوم مشرقاً وسعيداً وحضر الأهالي الصينيين والمالاويين من مزارعهم وقراهم القريبة وليشاركوا في الإحتفالات مع السادة المالاويين والنبلاء والأورانج لاوت وبعض الأوربيين ونخبة من موظفي الشركة البريطانية للهند الشرقية. وإرتدى الجنود البريطانيون ملابسهم الرسمية الأنيقة وظهر الجنود الهنود التابعين لبريطانيا العظمى لأول مرة على أرض سنغافورة. وتم تبادل الكلمات والهدايا التذكارية بهذه المناسبة وأصطفت السفن البريطانية في الميناء بزهو وأطلقت المدفعية طلقات التحية العسكرية.
في السنتين الأولين من وصول البريطانيين إلى سنغافورة، كان التيمينجونج مقتنعاً بأن إتفاقه مع البريطانيين سوف يستفيد منه أتباعه ورفاقه وأحفاده وأن التجارة المتزايدة التي سيجلبها البريطانيون إلى سنغافورة سوف تساعد في زيادة العوائد والرسوم غير الرسمية التي كان رجاله يقومون بتحصيلها في البحر. ولهذا فإن التيمينجونج عبدالرحمن وحتى بالرغم من حصوله على راتب سنوي من البريطانيين لم يكن لديه النية للتخلي عن نشاطه السابق. وكانت نظرته للأمر تتلخص في أنه لو كان حدث في الماضي وأقام "الأورانج لاوت" والمالايو مملكتهم المستقلة القوية على الأرض لكان يحق لهم تحصيل رسوم مرور وربما أيضاً رسوم تفريغ وشحن و رسوم جمركية أيضاً مثلما يفعل الأوربيين مع جميع السفن والبضائع التي تمر في نطاق سيطرتهم. فلماذا يعد الأمر مكروهاً وبغيضاً بالنسبة للأوربيين إذا مارسه عليهم الأورانج لاوت والتيمينجونج؟!
أوضح كولونيل هولاندي زار سنغافورة في 1823 طبيعة العلاقات التي تربط بين التيمينجونج والأورانج لاوت والذين يعدهم الهولانديون والبريطانيون على السواء من القراصنة، فقال: "بشكل عام فإن التيمينجونج مازال لديه تفاهم جيد مع إخوانه القدماء من الأورانج لاوت، ومازال يحتفظ معهم بمراسلات نشطة وهو يزودهم بأخبار مستمرة ومتواصلة عن السفن القادمة أو الذاهبة من ميناء سنغافورة وجهاتهم وشحنات بضائعهم بالإضافة إلى تسليحهم."
مثل هذه المشاكل التي ظهرت خلال الحياة اليومية أظهرت حالة الغموض القانوني لوضع السلطان والتيمينجونج في سنغافورة. وعندما حاول رافلس التفاوض معهم حول هذه الأمور فإن التيمينجونج لم يكن منجذباً إلى العرض المباشر والذي يتمثل في راتب سنوي ولكن كان في مخيلته أن يكون هناك مستوطنة نموذجية حسب ماتشكلت مراكز التجارة في الماضي في منطقة جنوب شرق آسيا حيث كان يعلو سلم السلطة طائفة الملايو وعلى رأسها السلطان ويتبعه التيمينجونج ويكون هناك مجتمع كوزموبوليتان يتشكل من أوروبيين وصينيين وأعراق أخرى مثل الهنود والعرب والبوجيز والجاويين وغيرهم وحيث يتم إستئجار الأراضي والإنتفاع بالأراضي والمرافق والفصل في القضايا وتحصيل الرسوم عن طريق السلطة الشرعية الممثلة في التيمينجونج والسلطان.
وفي الحقيقة فإن الكولونيل ويليام فاكهار بخبراته الطويلة في الأقليم كان مستعداً لقبول هذا الوضع. لهذا ومنذ اليوم الأول فقد أصر فاكهار على تقديم فروض الطاعة والإحترام الواجبين للسلطان والتيمينجونج بإعتبارهما "بومي بوترا" أي سادة الأرض. وسوف يظل هذا المصطلح "بومي بوترا" وهو باللغة المالاوية مصطلحاً مكروهاً لدى الطوائف الغير المالاوية وبخاصة الأوروبيين والصينيين وحتى يومنا هذا في سنغافورة عندما تصبح سياسة "البومي بوترا" لماليزيا الفيدرالية سبباً أساسياً في سعي "لي كوان يو" ورفاقه في العمل نحو إستقلال سنغافورة وفصلها عن ماليزيا.
كان التيمينجونج يوجه رجاله وبالنيابة عن السلطان بالذهاب إلى كباتن وقباطنة السفن والمراكب التي تمر بسنغافورة لكي يقدموا "هدايا" مالية أو عينية للزعماء المالاويين. وحدث أن تم القبض على كابتن أحد المراكب الصينية من قبل رجال السلطان بسبب أنه لم يقدم "هدايا" تليق بمقام السلطان مما آثار هياج الصينيين وتعاطف الأوربيين ، وبالرغم من أن فاكهار قد تدخل لدى السلطان وأطلق سراح الرجل إلا أن بعض كبار رجال الأعمال الأوربيين قدموا خطاباً إلى السلطان معترضين على تصرفاته وطلبوا منه الإعتذار وأن يعد بأنه لن يقوم بمثل هذه الأعمال مرة أخرى.
هذا الأمر أغضب فاكهار في المقام الأول ووصفه بالرعونة وبأن تدخلهم غير مبرر وليس من شأنهم أن يكتبوا للسلطان في أي أمر من الأمور. في الواقع أن ويليام فاكهار وكان يشغل منصب المقيم البريطاني في سنغافورة ممثلاً لسلطة الشركة البريطانية للهند الشرقية إلا أنه كان يعترف بكامل السلطات للزعماء المالاويين ليس فقط في الحكم والإدارة فحسب بل والسلطة القضائية أيضاً ومن هنا فهو كان يخصهم بنسبة من محصلات الرسوم التجارية نظير خدماتهم في القضاء والشرطة.
وكان هذا سبباً لغضب رافلس الشديد وإنقلابه ضد رفيقه ويليام فاكهار وخلافهما الذي سيمتد لسنوات وإلى مابعد وفاة رافلس نفسه. والواقع فإنه وحسب إتفاقية 1819 فإن زعيمي المالاويين سمحوا للبريطانيين بإنشاء مركز تجاري وحسب التقاليد المالاوية والتي يعرفها فاكهار جيداً فقد كان مفهوماً لديه أن هذا لا يشمل ملكية أي أراضي أو وضع أي قوانين. ولهذا كان فاكهار لايسمح لأي من رجال الأعمال بمن فيهم البريطانيون بإنشاء وإقامة مستودعات أو أي مباني من الحجارة.
مهما كانت نوايا السير ستامفورد رافلس عند توقيع إتفاقية 1819 فإن تفسيرات فاكهار للأوضاع في سنغافورة لم يعد لها مجال وبخاصة بعد وصول رافلس في 1822 وطرحه لمشروعه الطموح. وكان واضحاً حينئذ أن إعجاب رافلس الطاغي بأهالي المالايو قد بدأ يتوارى أمام مواجهته اليومية لأفراد من لحم ودم بطموحاتهم وأطماعهم ونقاط ضعفهم.
في أول مواجهة بين رافلس وسلطة التيمينجونج وبناء على خطة رافلس لإعادة بناء سنغافورة فقد إقترح رافلس إخلاء منطقة نهر سنغافورة بالكامل لإقامة القلب التجاري لسنغافورة وإنشاء رصيف ميناء تجاري لإستقبال السفن والمراكب المتوسطة وصغيرة الحجم وهو ماعرف فيما بعد بإسم "بوت كي" مما سيتطلب أعمال ردم للمستنقعات وتسوية الارض في مدخل النهر وإنشاء الحي التجاري وهو ما أطلق عليه فيما بعد "رافلس بلاس".
هذه التغييرات في منطقة نهر سنغافورة إستدعت إخلاء المنطقة من التيمينجونج ورجاله الأقوياء (حوالي 600 من رجاله الأقوياء الذين لايلتزمون بالقانون كما وصفهم أحد التجار الأوربيين آنذاك) ويقنع رافلس التيمينجونج الغاضب بالإنتقال من قلب المدينة إلى منطقة أخرى على بعد 3 أميال من المدينة وعلى الساحل الغربي بين منطقتي تانجونج باجار وتيلو بلانغاه والحصول على مساحة 200 فدان من الأراضي هناك فيما سمي حتى الآن "كمبونج بارو" أي القرية الجديدة.
أصبح رافلس يزدري السلطان حسين ولا يثق في التيمينجونج عبدالرحمن ولم يكن مستعداً للتسامح مع أي عراقيل قد تقف أمام خطته. وحاول أن يعيد تأهيلهم لقبول الأوضاع الجديدة فعرض ترتيب شحنات من البضائع تأتي من الهند لأسمهم وتباع في سنغافورة ويحصلون على فوائد البيع ولكنهم تعالوا على القيام بدور القومسيونجي حتى لايؤثر على شرفهم وكرامتهم بين الرعية والأمراء المالاويين الآخرين.
وظل هناك الخلاف المبدئي بينهم حول طبيعة المستوطنة الجديدة في سنغافورة والإتفاق الذي تم توقيعه بينهم. أن إتفاقية 1819 التي وقعها رافلس معهم قد أعطت بالكاد حق إنشاء مركز تجاري للشركة البريطانية للهند الشرقية في سنغافورة ولذلك فقد توقع الزعماء المالاويين أنه وحسب التقاليد ، أنهم مازالو يملكون الأرض وأنهم بالتالي المخولون في تحصيل الرسوم وإقامة القوانين في الأرض ويمارسون حقوقهم على الرعية وهو الأمر الذي كان رافلس ينظر إليه بإعتباره أقرب للعبودية.
في 7 يونيو 1823 وفي ليلة مغادرة رافلس النهائية عن سنغافورة وبعد إستشارة الدكتور جون كراوفورد – المقيم البريطاني الجديد الذي حل محل فاكهار- قام رافلس بتوقيع إتفاق جديد مع السلطان والتيمينجونج ليشتري حقوقهم ويحصل على الجزيرة بأكملها في مقابل مخصصات مالية شهرية ووافق الزعماء المالاويين على عدم المطالبة بالرسوم التجارية وأن جميع الأراضي على جزيرة سنغافورة والجزر الواقعة في نطاقها أن تكون تحت تصرف الحكومة البريطانية مباشرة نظير مخصصات مالية شهرية يحصل عليها السلطان والتيمينجونج .
وبالرغم من هذه الإتفاقية الجديدة مع السلطان والتيمينجونج في 1823 إلا أن الحاكم البريطاني في الهند كان له رأي فيها يتلخص في أنه وبالرغم من أنها تعد تطوراً لصالح الشركة البريطانية للهند الشرقية عن مثيلتها التي وقعت في 1819 والتي كانت تحدد نطاق تصرف الشركة في جزء من سنغافورة يتمثل في الأراضي الواقعة بين تانجونج باجار في الغرب إلى تانجونج كاتونج في الشرق ويحدها في الشمال نهر روتشور وبوكيت تيماه ، إلا أن الإتفاقية الجديدة مازالت تجعل من الشركة في وضع أكثر قليلاً من وضع المستأجر وتحت سيطرة الأمراء المالاويين فمازالوا هم سادة الأرض حيث لانص عن السيادة ووضع القوانين."
وكان التيمينجونج يطالب بتعويضات إضافية بسبب إجباره على ترك قريته وبيته على نهر سنغافورة ونقله مع رجاله إلى تيلو بلانغاه. بينما كان السلطان مديناً للشركة البريطانية ولبعض الأفراد الآخرين. وبمجرد توقيع إتفاقية لندن بين هولاندا وبريطانيا والتي قضت بتقسيم إقليم جنوب شرق آسيا بين القوتين الأوربيتين ، وكان ضرورياً توقيع الزعيمين المالاويين على إتفاقية الصداقة والتحالف المشهورة بإسم "إتفاقية كروفورد".
بموجب هذه الإتفاقية التي وقعت في يوم 2 أغسطس 1824 أعطى الزعيمان المالاويان وورثتهما "حقوقاُ أبدية" في حكم سنغافورة وجميع البحار والمضايق والجزر الواقعة في نطاقها وعلى مسافة عشرة أميال لصالح الشركة البريطانية للهند الشرقية ومن يرثها.
بناء على هذه الإتفاقية تم السماح للسلطان والتيمينجونج بالعيش على الأراضي المخصصة لهما ولايسمح لهما بالتعامل مع الخارج أو تمثيل سنغافورة بأي شكل بدون موافقة الشركة. وإذا أختاروا الإنسحاب من سنغافورة والرحيل عنها فسوف تدفع لهم الشركة تعويضاً بمبلغ 20 ألف دولار للسلطان و15 ألف دولار للتيمينجونج.
وبالرغم من أن كروافورد قد حاول الإساءة للزعيمين بأشكال مختلفة لدرجة أنه في سبتمبر 1824 وبعد شهر واحد من توقيع الإتفاقية الجديدة أقدم كراوفورد على تحرير حوالي 23 إمرأة من حريم السلطان وأدعى أنهم قد إشتكوا من سوء المعاملة ثم وبعد شهر آخر يقود قوة عسكرية على الطريق نحو كمبونج جيلام حيث قصر السلطان ويقتحم سور القصر الخارجي ويحطمه. إلا أن جميع هذه الممارسات فشلت في إزاحة السلطان عن سنغافورة وأستمر الزعيمين المالاويين في العيش على الجزيرة وخاب أمل كروافورد عندما إنكشفت أعماله الصبيانية مما سبب إحراجاً للإدارة البريطانية.
في الثامن من ديسمبر 1825 ، يموت التيمينجونج عبدالرحمن عن عمر 70 سنة وتقام مراسم دفنه ويدفن في الضريح الملكي الذي أقيم على التل بالقرب من بيته الجديد في منطقة تيلو بلانغاه، ويخلفه أبنه التيمينجونج إبراهيم والذي سيقيم مزارع كبيرة للتوابل والأعشاب الطبية والفواكه على المائتي فدان التي ورثها عن أبيه ويصبح من كبار رجال الأعمال في سنغافورة مع منتصف القرن التاسع عشر.
ومازال قبر التيمينجونج موجوداً حتى اليوم في مواجهة الساحل الغربي لسنغافورة يمر به السنغافوريون وزوار سنغافورة كلما ذهبوا إلى فيفو سيتي أو عبروا على الجسر الصغير في طريقهم إلى جزيرة سانتوسا ويونيفرسال ستديوز ويجهل معظمهم أن هناك على التلة الصغيرة يرقد جثمان الرجل الذي لولاه ماكان رافلس قد وقع إتفاقية إقامة مركز تجاري على الجزيرة ثم يدعون أنه كان زعيماً للقراصنة !؟
الأمر المؤكد أن التيمينجونج عبدالرحمن لم يكن زعيماً لقراصنة بل كان هو سيد الأرض والحاكم الآمر الناهي في جزيرة سنغافورة قبل أن يدخلها البريطانيون وأما أتباعه فلم يكونوا غير سكان وأهالي سنغافورة الأصليين وقد إحتال عليه البريطانيون كعادتهم في كل مكان وصلوا إليه وأستولوا على بلده بصك قانوني وأرغموه على التوقيع على تنازل نهائي عن بلاده لصالح المستعمر الأوروبي الأمر الذي سرعان ما أدى إلى وفاته حزيناً مكلوماً.
فمتى تنتهي حكايات المستعمر ونكف عن الترويج للأكاذيب !؟
سير ستامفورد رافلس والذين جاؤا معه
أسمه بالكامل هو : توماس ستامفورد بينجلي رافلس ، أحد موظفي شركة الهند الشرقية البريطانية والتي كان لها مستوطنات في غرب سومطرة (بينكولو/ بينكولين) وشمال شبه جزيرة الملايو (جزيرة بينانج). وكان إهتمام بريطانيا العظمى في جنوب شرق آسيا لمنع فرنسا من إقامة أي قواعد هناك حتى يتسنى حماية الطرق البحرية إلى الصين ولتأكيد إحتكار شركة الهند الشرقية البريطانية على التجارة مع الصين المتضاعفة الأرباح.
في عام 1786 ، حصلت شركة الهند الشرقية البريطانية على جزيرة بينانج من سلطان كيده (ولاية في شمال ماليزيا الحالية) وحصلت الشركة أيضاً على الساحل المقابل لجزيرة بينانج (إقليم ويلزلي) في عام 1800. وبعد خمس سنوات تم ترقية بينانج إلى مرتبة أكبر لتصبح في منزلة مقر رئاسة تابع للهند ومع مزيد من الأبهة والفخامة وخطط كبيرة لإنشاء قاعدة بحرية كبيرة وهو الأمر الذي لن يتحقق.
أثناء وقائع الثورة الفرنسية وخلال ماعرف بالحروب النابليونية في أوروبا ، قامت الشركة بحيازة مؤقتة للمستعمرات الهولاندية في جنوب شرق آسيا بما في ذلك ملقا وجاوة وخلعت القائم بالأعمال المقيم الهولاندي والحامية الهولاندية في رياو.
وفي عام 1814، ومع نهاية الحرب في أوروبا وهزيمة نابليون بونابرت ، إتفقت حكومتي بريطانيا وهولاندا على إعادة الممتلكات الهولاندية في آسيا مرة أخرى لهولاندا بما في ذلك جاوة وملقا. وفي إطار التعبير عن إهتمامهم بتعزيز روح التعاون والتفاهم بين الدولتين في أوروبا، إتفقا على الشروع في مفاوضات مفتوحة الهدف منها التخلص من جميع أسباب التوتر بينهما في الشرق الأقصى. وقد شمل هذا البحث في مقترحات بخصوص فصل المصالح الإقليمية للدولتين بحيث يمكن التنازل عن بينكولو أو حتى بينانج التابعتان آنذاك لبريطانيا في مقابل الأقاليم التي تسيطر عليها هولاندا في الهند.
كان الخوف يسطر على رجال الأعمال والتجار البريطانيين الذين توسعوا في نشاطهم التجاري خلال فترة الحرب ولم يكونوا يتوقعون عودة الحكم الهولاندي لتلك المستعمرات مرة أخرى بعد الحرب. وكانوا يخشون من عودة النظام الهولاندي الحاكم القديم في ممارساته التقليدية من فرض تعريفات جمركية عالية والضغط لدى الحكام المحليين لكي يحصلوا على إتفاقات تجارية حصرية. وكان إعادة تسليم الممتلكات الهولاندية إحباطاً مريراً بالنسبة لموظفي شركة الهند الشرقية البريطانية وبشكل شخصي ومباشر كما حدث لكل من الرائد ويليام فاكهار والذي كان يشغل منصب القائم بالأعمال والمقيم البريطاني في ملقا أثناء سنوات الحرب النابليونية ، و رافلس الذي كان نائب الحاكم لجاوة التي أحتلها البريطانيون في 1811 وكان معروفاً عن رافلس أنه خصماً عنيداً لسياسات هولاندا المقيدة للتجارة.
ولد رافلس في عام 1781 ، وأضطر لإنهاء دراسته المدرسية فجأة بسبب فقر أسرته ليلتحق بالعمل بشركة الهند الشرقية البريطانية كموظف بسيط وكان في الرابعة عشر من عمره. وفي عام 1805 ، يتم إرساله إلى الرئاسة التي أقيمت مؤخراً في جزيرة بينانج (شمال ماليزيا الحالية) ليعمل كأحد مساعدي السكرتارية الملحقة بالرئاسة هناك. وبالرغم من توافر العديد من الكتابات الغزيرة عن رافلس إلا أنه يظل لغزاً كرجل يحمل تناقضات شتى.
شاب ضعيف البنية ، خجول و "وديع كعذراء" كما وصف نفسه ذات يوم. وكان يحمل طموحات واسعة لنفسه ولوطنه. وكان لنقص تعليمه النظامي سبباً في نهمه الشديد للمعرفة والتعلم ، وكان مجتهداً في تعلم اللغات ، والآداب والتاريخ ثم أضاف إلى ذلك إهتمامه الجلي برصد النباتات والحيوانات في عالم المالايو. ثم هو ينحدر من خلفية إتسمت بالفقر إلا أنه توفر له أن يكون بصحبة الأغنياء وأهل السلطة والطبقة الأرستقراطية. وهو رجل تميز بالصداقة العميقة ومتسامح وكريم مع عشق للتحرر من القيود ومع ذلك فقد ظل قادراً على التعامل بخبث يثير الشفقة في بعض الأحيان ومخادع في تعاملاته مع مرؤوسيه ثم هو يحابي أصدقاؤه ومعارفه بسذاجة مفرطة. وفوق كل شيء فقد كان رجلاً يعيش حياته في تحديات دائمة ولهذا فقد تميز بشجاعة وقدرة على النهوض مرة بعد أخرى في مواجهة مختلف المحن والإحباطات والكوارث التي ألمت به خلال رحلة حياته.
كان إهتمام وطموح رافلس الشخصي يتمثل في تعزيز التجارة البريطانية في الشرق الأقصى وجعلها مهمة مقدسة بالنسبة إليه. والواقع أنه لم يكن يسعى نحو تحقيق توسع أقليمي لبريطانيا فحسب ولكن هدفه تحقيق مزيج من التفوق التجاري والمعنوي. متأثراً برومانسيات الإمبراطوريات الغابرة فرأى أن دور بلاده في جنوب شرق آسيا ينبغي أن يكون كحملة صليبية (بالمعنى المسيحي للكلمة) بهدف تحرير الشعوب التي تعيش في أرخبيل الهند الشرقية (كما كانوا يطلقون على إقليم جنوب شرق آسيا) وإنهاء الحروب الأهلية وتخليصهم من القراصنة والعبودية والظلم ولإستعادة وإحياء ثقافاتهم القديمة والعمل على إستقلالهم تحت تأثير التنوير الأوروبي والتعليم المتحرر والرخاء الإقتصادي التقدمي والقوانين العادلة.
وقد كان يتمنى أن يسخر فترة الإحتلال البريطاني لجاوة وقت الحروب النابليونية كفرصة لإزاحة النفوذ والتأثير الهولاندي والذي كان في رأيه "يحمل طرقاً للحكم والإحتكار التجاري المناقضين لجميع مباديء العدالة الطبيعية وغير جدير بأي أمة حضارية تنويرية" – المرجع: (A HISTORY OF MODERN SINGAPORE 1819 – 2005 By C. M. TURNBULL – Page No. 26)
وكان قد تم تعيينه في منصب نائب الحاكم العام في جاوة (جزيرة في إندونيسيا حالياً) عندما أحتلت شركة الهند الشرقية البريطانية جزيرة جاوة في 1811 وخلعت الحاكم والحامية الهولاندية منها.
خلال الحكم البريطاني القصير نسبياً في جاوة ، تفاوض رافلس حول السلام وشن بعض الحملات العسكرية المهمة ضد بعض أمراء جاوة الأندونيسيين المحليين لإخضاعهم للحكم البريطاني. وأهم هذه الهجمات هو الاعتداء الذي وقع في 21 يونيو 1812 على جوك جاكارتا ، أحد أقوى الممالك العريقة في جاوة. خلال الهجوم ، تعرض القصر الملكي في جوك جاكرتا لأضرار بالغة ونهب العرش السلطاني على نطاق واسع من قبل القوات البريطانية. استولى رافلس على الكثير من محتويات أرشيف البلاط السلطاني. الحدث لم يسبق له مثيل في تاريخ جاوة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الاستيلاء على بلاط عرش ملكي محلي من قبل جيش أوروبي ، وكان إهانة مباشرة موجهة نحو الطبقة الأرستقراطية المحلية . على الرغم من أن السلام عاد إلى جاوة في أعقاب الهجوم البريطاني مباشرة ، فقد تكون تلك الأحداث سبباً في عدم الاستقرار الذي تأصل والعداء للتدخل الأوروبي الذي أستمر يحمله الأندونيسيين بشكل خاص مما أدى في النهاية إلى حرب جاوة في عشرينيات القرن التاسع عشر ثم في الصراع من أجل الإستقلال ضد الهولانديين والذي إستمر من بدايات القرن العشرين إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.
كما طلب رافلس رحلة استكشافية إلى باليمبانج في جزيرة سومطرة لإسقاط السلطان المحلي محمود بدر الدين الثاني والاستيلاء على جزيرة بانجكا القريبة لإقامة وجود بريطاني دائم في المنطقة في حالة عودة جاوة إلى الحكم الهولندي بعد نهاية الحرب في أوروبا.
وضع رافلس بعض القيود على تجارة الرقيق المحلية تمشيا مع السياسة البريطانية الأوسع عبر أراضيها الآسيوية ، على الرغم من أن العبودية ظلت منتشرة وكان يقوم على خدمة رافلس نفسه مجموعة كبيرة من العبيد في مسكنه الرسمي في جاوة.
تحت رعاية رافلس ، تم فهرسة عدد كبير من الآثار القديمة في جاوة بشكل منهجي لأول مرة. وقام كولين ماكنزي بإعداد أول مرجع مفصل باللغة الإنجليزية عن معبد برامبانان الهندوسي في أقليم جوك جاكارتا بينما تم مسح معبد بروبادور البوذي في وسط جاوة وتطهيره من الحشائش والنباتات التي كانت تحجبه عن الرؤية.
وقرر رافلس أن يقوم بإصلاح النظام الهولاندي للحكم والإدارة في جاوة. وكما في حالة الكثير من الحالمين الذين ينظرون إلى ماوراء عصرهم ، كان رافلس مسئولاً إدارياً غير واقعي فنتج عن محاولة تحديث إقتصاد جاوة الزراعي التقليدي خسائر محققة للعوائد التي تجنيها الشركة. قرر رافلس إستبدال النظام الهولندي للتوريد الزراعي القسري العيني بنظام جديد يسمح للأهالي بحيازة الأراضي في مقابل دفع مبالغ مالية نظير حق الإنتفاع لإدارة الأراضي.
في ظل الظروف القاسية لجزيرة جاوة ، توفيت زوجته ، أوليفيا ، في 26 نوفمبر 1814 ، وهو الحدث الذي دمر رافلس.
وفي عام 1815 ، أضطر رافلس لمغادرة جاوة بعد إستدعائه إلى إنجلترا تحت سحب من الغضب وإستبداله رسمياً بجون فيندال بسبب الأداء المالي الضعيف للمستعمرة أثناء إدارته لها والمزاعم بحدوث مخالفات مالية من جانبه. أبحر رافلس إلى إنجلترا في أوائل عام 1816 ليزيل الشكوك المعلقة فوق رأسه ، وفي طريقه ، زار نابليون بونابرت ، الذي كان في المنفى في سانت هيلانة ، لكنه وجده إنساناً غير سار وغير مؤثر.
ولكن على المستوى الشخصي فقد كانت عودته إلى بريطانيا ناجحة نجاحاُ مبهراً حيث أن كتابه المكون من مجلدين تحت عنوان ""تاريخ جاوة"" تم إستقباله بحفاوة ملفتة من النقاد والمتخصصين وتم إختياره كزميل للجمعية الملكية وإستقباله في البلاط الملكي ومنحه لقب فارس وأصبح رسمياً "سير ستامفورد رافلس". في 22 فبراير 1817 ، تزوج من زوجته الثانية ، صوفيا هال ، والتي سوف تقدم له آيات من الإخلاص والولاء في الحياة وبعد الموت.
وبناء على تشريفه بلقب سير وتكريمه من الجمعية الملكية فقد غفر له مدراء الشركة تصرفاته الغير مقبولة وعينوه كنائب الحاكم البريطاني في بنكولين ( مدينة بنجكولو – جزيرة سومطرة في إندونيسيا حالياً) ثم أبحر بعد ذلك إلى بينكولين لتولي منصبه الجديد مع زوجته الجديدة.
ولكن قرار الحكومة البريطانية بإعادة ممتلكات الهولانديين في الهند الشرقية ، دمر أحلام رافلس في إستخدام جاوة كقاعدة لتوسيع النفوذ البريطاني في أنحاء الهند الشرقية وصولاً إلى الصين.
وقبل أن يغادر إنجلترا ، قدم ورقة بحثية عن "إهتماماتنا في الأرخبيل الشرقي" ، محفزاً مجلس السيطرة في الهند للإهتمام بإنشاء سلسلة من المحطات في آتشيه (شمال سومطرة) ، وغرب سومطرة ، ومضيق سوندا (بين سومطرة وجاوة) ، وأرخبيل جزر رياو (جنوب سنغافورة حالياً) ، وغرب بورنيو (ماليزيا الشرقية حالياً) – وتلك المحطات من شأنها أن تحمي تجارة بريطانيا مع الصين كما تساعد في زيادة التجارة مع الأرخبيل الشرقي (إندونيسيا وماليزيا حالياً).
تم تجاهل الورقة تماماً .
وعند وصوله إلى بنكولين في 1818 ، فزع رافلس مما رآه من زيادة النفوذ الهولاندي في الأقليم وكتب إلى مدراء الشركة محذراً : "يمتلك الهولانديون الممرات البحرية الوحيدة والتي يمكن من خلالها للسفن أن تبحر نحو الأرخبيل وتنفذ منه من خلال مضايق سوندا وملقا وأن البريطانيون الآن ليس لديهم ولا بوصة واحدة من الأراضي لتقف عليها السفن بين رأس الرجاء الصالح والصين ولا حتى ميناء واحد صديق حيث يمكنهم أن يحصلوا على الماء وبعض التسهيلات.
كانت الحكومة البريطانية معارضة تماماً لمحاولات سير رافلس في التصدي للتوسع الهولاندي في جنوب سومطرة ولكن كان هناك رجلاً واحد مستعد للإصغاء لسير ستامفورد رافلس.
وكان هذا الرجل هو اللورد هاستينجز - الحاكم العام البريطاني في الهند – وأستدعاه هاستينجز إلى كلكتا وسمح له بزيارته وليعرض أفكاره عليه في عام 1818. وفشل رافلس في الفوز برضاء اللورد هاستينجز الكامل عن خططه الطموحة في نشر النفوذ البريطاني خلال الأرخبيل الشرقي ولكن الحاكم العام وافق على مشروع محدود جداً لتأمين طريق تجاري لبريطانيا من خلال مضيق ملقا ، وكانت وجهة النظر تتلخص في أن بريطانيا تملك مركزاً تجارياً في جزيرة بينانج بالقرب من مدخل مضيق ملقا وربما كل ما تحتاج إليه هو محطة إضافية عند الطرف الجنوبي للمضيق.
وعين هاستينجز السير ستامفورد رافلس كوكيل للشركة البريطانية للهند الشرقية وفوضه في تأمين إتفاق وإنشاء محطة تجارية في أقليم رياو ، لينجا ، وجوهور أو أي نقطة أخرى في الطرف الجنوبي لمضيق ملقا. وبشرط أنه لن يضع الشركة في موضع صراع أو مجابهة مع الهولانديين بأي شكل من الأشكال.
كانت هذه هي المهمة التي كُلِف بها السير ستامفورد رافلس في نهاية العام 1818 ، وبناء عليه كان مخولاً بتعيين مساعدين له لتحقيق مهمته ، فكان إختياره للرائد ويليام فاكهار ، والذي كان يستعد آنذاك للعودة إلى بريطانيا في إجازة طويلة بعد فترة خدمة عملية في جنوب شرق آسيا بلغت حوالي الثلاثين عاماً.
كان فاكهار صديقاً لرافلس منذ ألتقيا في ملقا عندما كان ويليام فاكهار يشغل منصب المقيم البريطاني في ملقا عام 1811 وكان رافلس يقيم في ملقا للتحضير لغزو جاوة. وكان فاكهار يحمل خبرات حميمية بأقليم المالايو ولينجا ورياو ونظمه السياسية والإدارية وحكامه وسلاطينه كما كان طليقاً في لغته المالاوية وآدابها وكان فاكهار يتمتع فوق كل شيء بثقة رافلس المطلقة.
الكولونيل ويليام فاكهار: أول حاكم بريطاني لسنغافورة
لقد تم ترديد قصص تأسيس الإمبراطورية البريطانية مرة بعد أخرى ، وكانت كل القصص تحكي عن رؤى ومسلحين بعلم وإيمان وقبعة مضحكة تصل إلى أراضٍ غريبة لم تمسها الحضارة كما يتصورونها في خيالاتهم للتغلب على الصعاب الكبيرة ، فإنهم بدأوا تاريخ المناطق ، وهم يقدمون للسكان المحليين الطريقة الصحيحة للعيش بينما يقومون بتوسيع ألوان العلم الإمبراطوري على الخريطة بضع بوصات قبل الإبحار في كتب التاريخ. كان كوك في أستراليا ، وكان رودس في أفريقيا ، وكان كلايف في الهند. في الخيال الشعبي ، تم بناء الإمبراطورية من قبل رجال بارزين وسنغافورة ليست استثناء - والأسطورة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا ويواصل ستامفورد رافلس السيطرة على ركائزها ، حيث يحظى باحترام باعتباره المؤسس الملهم والذي قام بإنشاء محطة تجارية دولية على جزيرة مليئة بالمستنقعات عند نهاية شبه جزيرة الملايو حيث نزل في عام 1819 مع رفاقه.
مع كل هذه الحكايات الأسطورية التي تملأ الكتب المتربة على أرفف المكتبات عن بطولات رافلس القائد الملهم ، تأتي "نادية رايت" بعصا من الديناميت المتفجر والذي تشتد الحاجة إليه لتنقيح وتصحيح المستقر والراسخ في الأذهان بكتابها الفريد ليتم تصوير رافلس هنا على أنه انتهازي متهور وغير كفء ، وهو متنمر ومنافق ، سرق التاج من الرجل المسؤول فعلاً عن بناء المشروع ولتشير لنا لكي نحفظ الفضل بفكر متفتح ووعي يقظ للرجل الثاني ونائب رافلس ، رجل اسكتلندي طويل القامة يدعى ويليام فاكهار.
William Farquhar and Singapore: Stepping out from Raffles’ Shadow by Nadia H. Wright
Entrepot Publishing (Malaysia), pp.258,
ويليام فاكهار ، المولود في أبردين يوم 26 فبراير 1774 ، سليل عائلة فاكهار الإسكتلندية العريقة - "فاكهار" هو أسم إسكتلندي ويعني "الشريف" أو "المحبوب" في اللغة الغلكية الإسكتلندية – وكان ويليام فاكهار مستحقاً لإسمه العريق. أختار مساره في الحياة كجندي بريطاني مما أتاح له الفوز بالإحترام المستحق من جميع المحيطين به بصرف النظر عن أجناسهم أو مكانتهم. وكانت حياته سلسلة من المغامرات والإكتشافات والدهاء الدبلوماسي، والصداقة ، والحب والخيانة.
إلتحق بالمدرسة العسكرية في مدراس بالهند كطالب عسكري في عام 1791 وكان عمره سبعة عشر عاماً ثم سرعان ما ألتحق بقوة مهندسيين مدراس ويترقى فيها ليصبح ملازم أول بقوة مهندسيي مدراس في 1793 وأشترك في حملة 1795 كقائد للمهندسيين في الحملة المكلفة بالإستيلاء على ملقا حيث كان عليه الإستمرار في الخدمة خلال فترة الإحتلال البريطاني لملقا. ساعده ذكائه وشجاعته وإتقانه للدبلوماسية في الصعود بسرعة عبر الرتب البيروقراطية ، وبلغت ذروتها باختياره حاكم وقائد مقيم بريطاني لملقا. تحدث ويليام فاكهار لغة الملايو وكان معروفا شعبيا باسم "راجا ملقا" أي "ملك ملقا". في 1 يناير 1803 تمت ترقيته إلى رتبة نقيب ثم عمل كمقيم لمالاكا ، وأصبح رائدًا في فيلق في 26 سبتمبر 1811 ، قبل تعيينه رسميًا مقيمًا وقائدًا لملقا في ديسمبر 1813 ؛ وهو المنصب الذي شغله لعدة سنوات ، مسؤول عن كل من المكاتب المدنية والعسكرية ، حتى عاد الهولنديون في سبتمبر 1818. خلال فترة ولايته هناك ، ساعد في مهام في جميع أنحاء المنطقة ، بما في ذلك الغزو البريطاني لجاوة بقيادة الحاكم العام بارون مينتو والسير ستامفورد رافلز في أغسطس ١٨١١.
وندم لإضطراره لتسليم ملقا للهولانديين وشارك في التنبيه إلى ضعف مركز بريطانيا في جنوب شرق آسيا بعد إعادة ممتلكات هولاندا مشاركاً رافلس في نفس الأفكار. في أكتوبر 1816، نصح فاكهار حكومة بينانج لإنشاء مستوطنة بريطانية جديدة قرب مدخل مضايق سنغافورة. وفي 1818 ، فوضه الحاكم العام البريطاني الجديد في بينانج ، جيمس بانيرمان، لعقد إتفاقات تجارية مع رياو وممالك أخرى في جنوب شرق آسيا لحماية مسارات التجارة البريطانية إلى الصين في مواجهة الإمتيازات الهولاندية التي تم تجديدها. في 18 أغسطس 1818 ، يوقع فاكهار ونائب الملك راجا جعفر المنحدر من بوجيز والذي ينوب عن السلطان عبدالرحمن ، سلطان رياو/لينجا وجوهور ، وبموجب تلك الإتفاقية تمنح رياو لبريطانيا منزلة الدولة الأكثر تفضيلاً وتلتزم بعدم تجديد "أي إتفاقيات مطلقة أو مقطوعة مع الدول الأخرى" ولا تمنح أي إحتكارات. وبعد توقيع إتفاقية مماثلة مع سلطنة سياك (إقليم في جزيرة سومطرة) يعود فاكهار إلى ملقا ليجد المفوضين الهولانديين في إنتظاره لإستلام ممتلكاتهم القديمة. في سبتمبر 1818 ، عندما علم فاكهار بنية الهولانديين في إستعادة مركزهم في رياو ، قام بتحذير الحاكم العام البريطاني للهند في كلكتا كما تراسل مع رافلس في نفس الشأن. وبحث إمكانية التصريح له من نائب الملك في رياو لكي يقوم بتفقد ومعاينة جزر كاريمون والتي أعتبرها في موقع إستراتيجي يمثل "المفتاح الكامل لمدخل مضايق سنغافورة وملقا".
كانت تعليمات حكومة الهند البريطانية لرافلس والتي صدرت في 28 نوفمبر 1818 ، و ربما كانت هذه التعليمات مكتوبة بوحي من رافلس نفسه ، وتشير هذه التعليمات إلى تفضيل إقامة قاعدة جديدة للبريطانيين في إقليم رياو حيث يوجد ميناء مؤسس منذ القدم وبه سكان مستقرين وحكومة صديقة ، بشرط أن الهولانديين لن يعودوا إلى رياو ، وكان رافلس مفوضاً بإقامة محطة تجارية للبريطانيين هناك وأن يترك فاكهار كمسئول عنها. وكان عليه "أن يمتنع عن جميع المفاوضات والصدامات" بموجب تعليمات إضافية صدرت عن حكومة الهند البريطانية بعد أسبوع آخر في مواجهة الشائعات الخاصة بوجود أنشطة هولاندية تتوخى ترتيبات بديلة مع رياو أو إذا أثبتت رياو عدم تعاونها. وكان الأمر المؤكد أن حكومة الهند البريطانية أصرت على الحذر الشديد وخاضة أنها لم تكن على دراية كافية بالجغرافيا أو الأوضاع السياسية المتغيرة في سلطنة جوهور/لينجا/رياو وعلاقاتهم بالهولانديين.
وصل رافلس إلى بينانج يوم 30 ديسمبر 1818 ليجد أن فاكهار وصل قبله بيوم واحد ، وحمل معه أخباراً عن إتفاقية بين هولاندا ورياو الأمر الذي جعل رافلس أكثر إلحاحاً لكي يمضي في خططه. وبعد تجميع الكثير من المعلومات عن الموقف في الطرف الجنوبي لمضايق ملقا وفي يوم 16 يناير 1819 ، كتب إلى كلكتا مؤكداً "بالرغم من عدم وضوح الموقف في جوهور ورياو ولكنه كان واثقاَ من أنهم يمكنهم الحصول على موافقة من سلطة قادرة ومسئولة لإقامة محطة تجارية بديلة بالقرب من نهر جوهور". وكان هذا الكلام المطاطي من رافلس لا يحمل أي دليل أو برهان على إمكانية تنفيذه وإن كانت عباراته يمكن الدفاع عنها.
وبينما كان على رافلس البقاء في بينانج لكي يواصل مهمته في البحث عن محطة بديلة في آتشيه (شمال سومطرة) ، فقد وافق بانيرمان (حاكم بينانج) على أن يبحر فاكهار فوراً إلى جزر كاريمون ليتواصل مع سفينتين لمعاينة الجزر. وكان فاكهار ممنوعاً من إقامة مستوطنة هناك بدون تعليمات لاحقة ومهما كان قرار المعاينة ، ثم عليه أن يواصل الإبحار نحو الشرق ليتفقد منطقة نهر جوهور وبخاصة ميناء جوهور لاما وليتأكد أنه لا وجود للهولانديين هناك ثم أن عليه الذهاب إلى رياو للحصول على موافقة السلطان على ترتيب تأمين القيادة الأكيدة لنا على هذه المحطة الهامة وكما قد تسمح الظروف".
في يوم 18 يناير 1819 ، أبحر ويليام فاكهار على سفينة شراعية ذات صاريتين بأسم "جانجيز" وبمصاحبة سفينة معاينة أخرى وهي سفينة حربية عليها المدفعية الأوربية ومشاة البحرية البريطانية من الهنود المعروفين بأسم "سبويز". وبمجرد مغادرة فاكهار ، أصر بانيرمان أن على رافلس تأجيل رحلته إلى آتشيه حتى يحصل على موافقة كلكتا الأمر الذي جعل رافلس مقتنعاً بأن بانيرمان ، حاكم بينانج ، قصد عامداً لمنعه من مواصلة مهمته في البحث عن محطة بديلة ومنعه من المشاركة في أعمال البحث والمعاينة. وأقتنص رافلس الفرصة ليهرب من بينانج قبل نهاية اليوم الأمر الذي أزعج بانيرمان فعلياً ، وليبحر على متن السفينة "إنديانا" والتي أبحرت مع السفينة الشراعية الكبيرة "إنتربرايز" ليسرع نحو الجنوب .
في يوم 26 يناير 1819 ، يتقابل فاكهار مع سفن المعاينة عند جزر كاريمون (في المدخل الجنوبي لمضايق ملقا وعلى مسافة 23 ميل من سنغافورة) حسب الترتيب المسبق وفي اليوم التالي قاموا بتفقد أرض الجزر وتضاريسها. ثم يصل رافلس في نهاية اليوم ليجد أن فاكهار مازال متحمساً بعكس بقية المجموعة الذين أبدوا معارضة كبيرة وكانوا غير سعداء بخصوص آفاق المستقبل لجزر كاريمون غير المأهولة وذات طبيعة خشنة وصعبة للمعيشة وأرضها الصخرية الجرانيتية الأمر الذي سوف يتطلب الكثير من الأموال لإقامة ميناء للسفن فيها.
وقام دانيل روس ، قائد سفينة المعاينة "ديسكفري" التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية ، بتوجيه الأنظار نحو موقع آخر يبدو له كموقع واعد يتمثل في جزيرة سنغافورة وبالتحديد عند مصب نهر سنغافورة ، والذي لاحظه عند مروره بالمنطقة وشاهد قرية صغيرة على صفاف النهر عند المصب.
وأنطلق الفوج الصغير بأكمله في صباح يوم 28 يناير 1819 نحو الموقع الموعود.
عندما رست سفنهم أمام جزيرة سانت جونز في ذلك اليوم عند الظهر ، وبسرعة جاءت رسل التيمينجونج حاملة رسائل الترحيب بهم ومؤكدين عدم وجود الهولانديين في سنغافورة وجميع الجزر المحيطة بها. وفي المساء ، ذهب رافلس وفاكهار لمقابلة التيمينجونج عبد الرحمن وفي اليوم التالي أستكملوا محادثاتهم وتفهموا وجهة نظر التيمينجونج فيما يخص وراثة الحكم في إمبراطورية جوهور/لينجا/ رياو وتفضيله الشخصي لأبن أخيه تونكو (الأمير) حسين لوونج وهو الأبن الأكبر للملك الراحل مما يجعله أحق بالجلوس على العرش.
في يوم السادس من فبراير 1819 ، تم عقد إتفاقية سنغافورة ووقعها رافلس مع سري سلطان حسين محمود شاه – راجا جوهور وسنغافورة – ويسمح بموجبها لشركة الهند الشرقية البريطانية بإقامة محطة تجارية على جزيرة سنغافورة في مقابل عائد سنوي قيمته 5000 دولار أسباني و 3000 دولار إسباني لكل من السلطان والتيمينجونج على التوالي. ثم تم منح ترقية ويليام فاكهار لرتبة الكولونيل في اليوم التالي لترتيب توقيع المعاهدة بنجاح وتعيينه كأول حاكم وقائد لسنغافورة في 7 فبراير 1819 من قبل سير ستامفورد رافلس ، وكيل الحاكم العام في أقليم الملايو.
كان حكم مستعمرة جديدة مثل سنغافورة ، كما أشار رافلس ، شملت التعامل مع مجموعة فريدة من العقبات. وشملت هذه القضايا مثل تجارة الرقيق ، والقرصنة ، والاحتكاكات المتوقعة بين مجموعات المهاجرين. كانت بعض أهداف رافلس السامية هي تنفيذ التخطيط الحضري ، وفرض القانون والنظام ، وتعزيز التعليم. وكلف رافلس فاكهار بقيادة المدينة الجديدة في ظل ميزانية منعدمة حتى أن شركة الهند الشرقية - التي يعمل كل من رافلس وفاكهار تحت لوائها - لن تعتبر سنغافورة كإلتزام مالي. رافلس قدم أيضا نموذجا لنسخته الخاصة الحالمة عن ما يجب أن تكون عليه سنغافورة. لقد أعطى توجيهات محددة لويليام فاكهار فيما يتعلق ببناء المدينة ، وهي تعليمات أثبتت فيما بعد أنه من الصعب للغاية تنفيذها بسبب نقص الأموال. بعد الحصول على الموافقة من السلطات المختصة لإنشاء مركز تجاري في سنغافورة ، أعلن رافلس لجميع السفن التجارية أن سنغافورة أصبحت الآن ميناءًا حرًا – وذلك في محاولة لتحدي الإحتكار الهولندي على التجارة البحرية في المنطقة. تم الترحيب بجميع السفن في ميناء سنغافورة للقيام بأعمال تجارية معفاة من الضرائب أو الرسوم أو الجمارك.
من وجهة نظر فاكهار ، كانت هذه السياسة بمثابة وصفة لكارثة محققة، حيث قوضت قدرته على جمع أموال كافية لبناء المدينة وإدارتها وفقًا لنموذج رافلس. ومما زاد الوضع تعقيدًا بسبب الخدمة البريدية الكئيبة في المنطقة ، والتي جعلت أي اتصال مستحيلًا تقريبًا مع رافلس ، الذي كان يتمركز في بينكولين (غرب سومطرة).
كانت فترة شهر العسل لتعيين فاكهار الجديد قصيرة. لقد واجه عقدة مستحيلة الحل: العمل ضمن المعايير المالية والمعمارية التي حددها رافلس ، والفشل في تحقيق رؤية رافلس في سنغافورة بسبب نقص الأموال ، أو لتعديل تعليمات رئيسه وبناء سنغافورة باستخدام أي وسيلة ضرورية لتحقيق أهداف رافلس. وأختار فاكهار الحل الأخير لاسترضاء رئيسه.
ساهم فاكهار كثيراً في سنغافورة ، بما في ذلك دفع شلن واحد (8 دولارات أمريكية اليوم) لكل فأر يقتل لمنع وباء الكوليرا في هذه المستعمرة الصغيرة ، وتوسيع الطرق لتقليل الاختناقات المرورية ، وتهيئة الأراضي للزراعة ؛ وإستخدام الأخشاب لبناء المنازل لاستيعاب التوسع السريع في عدد السكان. لسوء الحظ ، قدم أيضًا العديد من التغييرات في خطط وتعليمات رافلس من أجل توليد إيرادات تمس الحاجة إليها لتشغيل وإدارة سنغافورة بسلاسة. هذا أدى في النهاية إلى سقوطه. لقد سمح فاكهار بإنشاء محلات القمار ، وكذلك بيع العرق (نوع من المشروبات الكحولية) والأفيون كما سمح بقتال الديكة وكان كل ذلك في مقابل دفع رسوم لحكومة سنغافورة للحصول على تراخيص بإدارة تلك الأعمال ورأى رافلس كل ذلك غير حسن وأنها جميعاً من الرذائل التي لا يصح وجودها في مدينته الوليدة.
ثم أن فاكهار سمح ببناء المنازل على الأراضي المخصصة للمباني الإدارية للحكومة البريطانية. وقدم الامتيازات التي تمتع بها السلطان و التيمنجونج كحكام الأرض وأصحاب السيادة ، ثم نظر رافلس إلى أن فاكهار قد سمح لهما بتلقي نسبة من العائدات الكبيرة من الترخيصات الصادرة لتجارة الأفيون والعرق وأوكار القمار. ثم حدثت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما أكتشف رافلس أن فاكهار سمح بتجارة الرقيق في المستعمرة الجديدة ؛ القرار الذي جعل جميع محاولات استرضاء رافلس غير فعالة على الإطلاق. نظر رافلس إلى جميع هذه التطورات الجديدة على أنها رذائل وأنها تعارض تعليماته بخصوص سنغافورة.
الواقع أن رافلس غادر سنغافورة في اليوم التالي ، 7 فبراير 1819 لتوقيعه الإتفاقية مع السلطان إلى مقره في غرب سومطرة بمدينة بنكولين بعد إصدار أوامره لفاكهار والأوروبيين القليليين المتبقين في سنغافورة. ثم بعد أن أستقرت الأمور في سنغافورة وأنتشر صيتها في الآفاق كمحطة تجارية ناجحة وتحقق أكبر العائدات ، عاد رافلس إلى سنغافورة في أكتوبر 1822 ليمكث فيها أشهراً قليلة ليؤكد مكانته كمؤسس لسنغافورة ولينتزع الفضل من صاحبه ، الكولونيل ويليام فاكهار، و في أبريل 1823 ، وقبل رحيله النهائي من سنغافورة ، قام رافلس بإقالة فاكهار من منصبه كقائد وحاكم بريطاني مقيم في سنغافورة ، منهيًا فعليًا مهنته كحاكم بريطاني لديه ماض فخور ، ومنحه ليس فقط مستقبلاً غامضاً ولكن أيضاً إزدراءً غير مستحق الأمر الذي دفع فاكهار لتقديم شكوى إلى شركة الهند الشرقية حول إقالته ولكن دون جدوى .
هناك منشورات في مكتبة الكونجرس الأمريكي تضم مجموعة مراسلات فاكهار في جنوب شرق آسيا . تتألف هذه المجموعة من 46 حرفًا باللغة الجاوي (لغة الملايو مكتوبة بلغة عربية معدلة) ، وتمثل المراسلات بين حكام ولايات ملقا وبينانغ وسيلانجور وترينجانو والقائد البريطاني الأول لسنغافورة ، اللواء ويليام فاكهار في أوائل القرن التاسع عشر – مستوطنة سنغافورة . على الرغم من أن المرء قد يتوقع أن تكون هذه الرسائل معنية بالدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية فقط ؛ إلا أنها تشمل موضوعات أخرى مثل الصداقة التي ربطت بينهم (أي أن الحكام وفاكهار قد أقاموا علاقة ودية بين 1819-1823 عندما ساعد فاكهار في تحويل سنغافورة من قرية صيد صغيرة إلى أغنى مركز تجاري في جنوب شرق آسيا) . كانت مساهمات فاكهار في التنمية الناجحة لسنغافورة ، وصعوده إلى أعلى منصب في سنغافورة البريطانية ، وسقوطه السريع المؤسف موضوعًا للنقاش منذ أكثر من قرن بين المؤرخين في جنوب شرق آسيا.
والواقع أن فاكهار كان يحظى بتقدير كبير من السكان والحكام المحليين على السواء خلال فترة ولايته كحاكم لفطنة أعماله الفائقة التي اكتسبها وشحذها خلال الثلاثين عامًا التي عاشها في جنوب شرق آسيا. كما حصل على احترام حكام ولايات ملقا القريبة ، وبينانغ ، وسيلانغور ، وترينجانو لمواهبه الإدارية العليا ، كما هو موضح في الرسائل الموجهة إليه أثناء فترة ولايته كحاكم. تعد مجموعة فاكهار ضرورية للباحثين المهتمين بمعرفة المزيد عن حياة وإنجازات القائد الأول لسنغافورة.
ولسوء الحظ ، تضع معظم المراجع ويليام فاكهار على الهامش من قصة إقامة وبناء سنغافورة ، حيث يقدمونه كقائم بأعمال وحاكم غير كفء ولم يستطع تحقيق بنات أفكار رافلس للسنوات الثلاث الأولى من تاريخ سنغافورة ، ويحكون عنه أنه كان يتجول في زي عسكري مع عصاه وكلابه. ولكن بدونه ، وكما تثبت نادية رايت ، لم تكن سنغافورة لتنجو أبداً.
على الرغم من أن بعض الأبحاث الجديدة قد أعترفت لفاكهار بدور أكبر ، إلا أن نادية رايت تخوض في تفاصيل غير مسبوقة في هذا الصدد ، بعد أن قامت بالتدقيق في أكوام من وثائق شركة الهند الشرقية البريطانية لكشف الحقيقة بين فاكهار ورافلس.
فاكهار ، من الواضح على الفور ، كان مثالاً للكفاءة. في منصبه السابق كقائد لملقا ، كان من المتوقع أن يشرف فقط على هذه المستوطنة الهولندية بينما احتل نابليون بونابرت هولندا . ومع ذلك فقد تمكن من تحويل ولاية ملقا في شبه جزيرة الملايو من ولاية خاسرة تعاني من الديون ويزيد في رأس مالها بالكامل ، ويخلق أرباحاً كبيرة بعد سنوات من الخسائر.
الأمر الذي أدى إلى أن مجموعة كبيرة من التجار الذين يتاجرون هناك – من الجاليات العربية ، والهندية ، والصينية ، والملايو ، والأوروبية - عرفوه بمودة بإسم "راجا ملقا" أي "ملك ملقا" ؛ وبمجرد علم هذه الجاليات بأن فاكهار هو من يقوم على الحكم في سنغافورة في أوائل العشرينيات من القرن التاسع عشر منح أكثر من 5000 من هؤلاء التجار الثقة الكاملة للمستوطنة الوليدة بمغادرة منازلهم في ملقا والمخاطرة في الاستقرار في مركز التجارة الجديد. وكان الهولنديون قلقين للغاية ، حتى أنهم حاصروا ميناء ملقا لمنع الخروج الجماعي. كان سر فاكهار في كلتا المستوطنتين هو التعاون الوثيق مع السكان المحليين ، مستخدماً معرفته الخبيرة بالثقافة والسياسة الملاوية وتطوراتها على مدار 25 عامًا في الشرق. لقد عزز العلاقات التجارية من خلال التواصل مع المجتمعات المختلفة في جنوب شرق آسيا ، وكثيراً ما كان بمثابة ملتقى ثقافي ، موضحا للبريطانيين لماذا أفعال معينة في ملقا قد تزعج الملاويين من أهالي البلاد واقتراح بدائل دبلوماسية. لقد بذل كل ما في وسعه لجعل سنغافورة تناشد التجار المحليين ، حتى إنه سمح لألعاب القمار وتجارة الأفيون وتجارة الخمور ، شريطة دفع الرخصة - وهو الأمر الذي أدى إلى تمويل شرطة سنغافورة.
إن دور فاكهار الذي تم إهماله لفترة طويلة أمر استثنائي لكن الجزء الأكثر وضوحا وتميزاً في هذه القصة هو أن سنغافورة أصبحت موجودة على الإطلاق وفقط بفضل أعمال فاكهار في تأسيسها.
من البداية ، لم يكن رافلس مصدر إلهام للثقة. وتعتبر سنغافورة واحدة فقط في سلسلة طويلة من المستوطنات الفاشلة التي حاول إيجادها في بحر الصين الجنوبي. وقد كان رؤساؤه في شركة الهند الشرقية يائسين من أي شيء يلمسه رافلس، ورفضوا دعم المشروع. لقد تسبب في صداع دبلوماسي في الماضي من خلال محاولته الاستقرار في الأراضي المملوكة لهولاندا ، ثم إدارته السيئة لجاوة والتي أدت لنزيف الأموال المزعج لمدراء شركة الهند الشرقية بين عامي 1811 و 1816 . وكما وصفه أحد زملائه المحبطين أنه كان "كرجل أشعل النار في منزل ، ثم هرب".
عندما غادر رافلس سنغافورة بعد يوم واحد من وصوله في عام 1819 ، ترك فاكهار يعاني من نقص الموظفين ونقص التمويل وقلة المخزون بعد أن أصدر أوامر غير عملية بشكل بائس لتنفيذها في غيابه. ثم أمر فاكهار للحصول على الإمدادات من مركز قيادة رافلس في بنكولين على بعد ستة أسابيع من السفر في البحر ، بدلاً من ميناء بريطاني آخر على بعد ثمانية أيام فقط (بينانج)، لأن رافلس كان يكره حاكم بينانج. الحقيقة أن فاكهار تمكن من بناء سنغافورة من الصفر في هذه الظروف المستحيلة هو الأمر الأكثر إثارة للإعجاب.
لكن رافلس حرص على الحفاظ على إرثه في الإستعلاء والتعالي ، وعاد بعد أربع سنوات تقريبًا وأزاح فاكهار من منصبه بتهم مبالغ فيها ومضللة ومليئة بالنفاق ، وحرص على أبقائه في الظلام لمنعه من ترتيب أي دفاع. هذه الاتهامات ، ومذكرات تتزيد في تلميع دور رافلس في وقت لاحق تكتبها أرملة رافلس ، أسفرت عن تبادل الرجلين الأدوار في كتب التاريخ. وحتى اليوم ، لا تزال تنتشر في جميع أنحاء جزيرة سنغافورة ، في الشوارع والساحات والتماثيل والمدارس والمتاحف والمكتبات والأندية والفندق الشهير وحتى الفنار الذي يرشد السفن في البحر كلها مختومة باسم رافلس. لكن ليس هناك نصب تذكاري واحد لويليام فاكهار.
إنه لأمر مؤسف أن نادية رايت تركز بشدة على وظيفة فاكهار في مكتب الحاكم ومركز القيادة ، لأن اللمحات التي لدينا عن حياته الشخصية مثيرة للاهتمام أكثر من رأينا الشخصي عن هذا الإنسان الجميل. فهو سرعان ما استغنى عن زيه الرسمي كضابط بريطاني ليرتدي الملابس الفضفاضة متشبهاً بالمحليين من أهالي الملايو، وأتخذ نمرًا كحيوان أليف في بيته ، وقام بترويض حيوان التبير البري (والذي سيصل إلى مائدة العشاء على أمل حصوله على كعكة) وحتى إتخاذه لزوجة من الملايو – من أصول مالاوية وفرنسية أسمها أنطوانيت كليمنت. ونظرًا لكونه عالمًا طبيعيًا شغوفًا ، فقد كلف فنانين صينيين برسم سلسلة رائعة من الألوان المائية ، توضح الحيوانات والنباتات في ملقا وسنغافورة ، وهي المحفوظة الآن باسم مجموعة ويليام فاكهار لرسومات التاريخ الطبيعي.
من الواضح أن ويليام فاكهار كان رجلًا مخلصًا للشرق مفتونًا بحضاراته القديمة المزدهرة. وبدلاً من البقاء بمعزل متعالياً ، اختار التفاعل مع السكان المحليين إلى حد الاستيعاب تقريبًا. إن الحديث عن سنغافورة نفسها ، هو تذكير بمدى صدق هذا الموقف وأن التفاعل مع السكان المحليين والإنغماس في حياتهم لا يؤدي دائمًا إلى قلب الظلام.
قرب نهاية عام 1823 ، غادر فاكهار زوجته من ملقا الفرنسية الأب ، أنطوانيت كليمنت ، وأطفاله الستة منها عائداً إلى اسكتلندا. والغريب أن فاكهار يتزوج مرة أخرى في العام 1828 وينجب ستة أطفال آخرين. (من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه من خلال زوجته الأولى ، أصبح فاكهار جدًا لجد جد جد رئيس الوزراء الكندي الحالي ، جاستن ترودو).
بعد محاولته عبثًا مقاضاة رافلس للحصول على لقب "المؤسس" في سنغافورة ، يصل فاكهار إلى نهاية مريرة حيث أسيء فهمه وليتوفى عام 1839 في اسكتلندا عن عمر يناهز 65 عامًا.
شخصية الكولونيل ويليام فاكهار كما وصفه عبدالله مونشي في حكاياته
بعد أن تم عزله من منصبه كأول حاكم ومقيم بريطاني في سنغافورة ، ظل ويليام فاكهار مستقراً في سنغافورة لعدة أشهر كمقيم عادي. ثم جاء يوم وداعه النهائي ورحيله عن سنغافورة في ديسمبر 1823 والذي كان حدثاً لا نظير له من المحبة العفوية وحرارة الوداع في تاريخ سنغافورة بأكمله وهو أمر لم يحدث حتى عند رحيل سير ستامفورد رافلس.
تبرع الأوربيون بمبلغ ثلاثة آلاف روبية لشراء هدية تمثل طبقاً من الفضة بينما قدم له الصينيون كأساً من الذهب ثم أن الجاليات المختلفة قدموا خطابات رسمية معبرة. شكلت القوات حرس شرف ووقف الحاكم والمقيم البريطاني الجديد والقائد العسكري البريطاني وتقريباً جميع أفراد الجالية الأوروبية والمئات من الأسيويين أمام شاطيء البحر وكان هناك زحاماً من الناس الأمر الذي إستغرق زهاء الساعتين لكي يتاح لفاكهار أن يودعهم جميعاً.
ثم عند توقف سفينته في ملقا ، أستضافه الحاكم الهولاندي والمسئولون ولقى حرارة مماثلة من الأهالي الأسيويين وفي رحلته الأخيرة من بينانج ، رافقه الحاكم البريطاني العام وقدم له التحية العسكرية بإطلاق المدافع تقديراً له.
هذه ترجمة مفصلة لما جاء في كتاب "حكايات عبدالله" الشهير عن شخصية الكولونيل ويليام فاكهار وهي شهادة مصدقة ، كتبها واحد من الأهالي والسكان المحليين المالايو (عبدالله مونشي) وهو الرجل الذي عاصر رافلس وأتبعه ككاتب ومعلم ومترجم كما عاصر ويليام فاكهار وشهد الأحداث عن قرب ثم بعد فترة زمنية من رحيل ويليام فاكهار وتغير الحاكم البريطاني كتب هذه الشهادة وأجد فيها نصاً مكتوباً بلغة شعرية فريدة في حق حاكم مستعمر وهو أمر فريد من نوعه وسوف يستمر حتى اليوم ونشهد عليه في سنغافورة الحديثة.
يقول عبد الله مونشي في حكاياته: "كان الكولونيل فاكهار ذو خصال حسنة ، متمهلاً في إيجاد العيوب ثم أن لديه قدرة تحمل كبيرة للفقراء كما للأغنياء ولا يضع أحدهما في مكانة أقل من الآخر ، وإذا لجأ إليه الأشخاص مهما كانوا فقراء أو أغنياء فسوف يتاح لهم الوقوف بين يديه لتقديم شكاواهم ولهم إذن بالدخول الفوري وسوف يستمع إلى تظلماتهم بالكامل وسوف يقدم لهم النصيحة أو الإستشارة حتى يسترضيهم وبهذا يعودون سعداء. وإذا خرج ماشياً أو راكباً فإن الفقراء وغيرهم من البؤساء يحيونه وفي جميع الأحوال يرد تحياتهم جميعاً وكانت يديه دائماً مفتوحة لجميع عباد الله.
أصبحت جميع هذه الظروف كحبل ممتد يربط قلوب البشر إليه كما يتساقط النسيم في الليل البهيم لتنمو الأزهار في البستان بإحسان عظيم غير متوقع الأمر الذي يسمح مرة أخرى بإنتشار عطر الأزهار على وجه البسيطة مرة بعد أخرى. وحتى الغزلان التي تمرح في الغابة ، فإنهم يأتون تباعاً ليحتشدوا في البستان لجمع هذه الأزهار الجميلة في دهاء وفطنة. وهذا كمثال لوجهة نظر الشخص الذكي ذو الأسباب بخصوص ما ذكر آنفاً عندما يكون الرجل عظيماً حقيقة فسوف يدعى بين الناس بأنه "ذا خلق عظيم" في جميع العصور القادمة وحتى إذا مات فإن إسمه الطيب يلتصق بذكراه العاطرة إلى الأبد.
الآن إذا إذا كانت الفكرة تتعلق بإنسان عظيم أو غني أو مقتدر وأنه بإحترامه للأقل منزلة أو الفقير أو البائس فسوف يقلل ذلك من عظمته أو قدره ، فأنا هنا أتسائل ماذا كان يقول المثل القديم: "هل يفقد الثعبان سمه إذا ألتف حول جذر البامبو ؟!" "وبينما الفيل الضخم له أربعة أقدام ، فهو قد يقع أحياناً وقد ينبطح أحياناً". ثم أن "الطيور التي تطير في السماء ،هم أيضاً في بعض الأحيان قد يسقطون على الأرض". وبشكل خاص جداً يحدث معنا ، نحن بني البشر ، الذين نتسم بضعف الطوية ، والذين حياتهم غير مؤكدة ومن المؤكد أننا مخلوقات فانية ، وهو الأمر الذي لا يمكن تجنبه ، من عصر لآخر وحيث أن العظمة والمقدرة في هذا العالم محكومتان بالفناء وليس هناك أي ضمان لبقاء أي إنسان لأي فترة من العمر ولكن يبقى له فقط الأسم بأنه كان طيباً أو كان سيئاً. هؤلاء الناس يمكن ذكرهم دائماً وأبداً وحتى بعد ذهابهم.
يوم مغادرة الكولونيل فاكهار من سنغافورة وعندما عرف الناس بأمر رحيله النهائي عن الجزيرة إلى أوروبا وسيطر الحزن العميق سنغافورة وأهلها لأنه كان حاكماً طيباً ، قائداً محنكاً في إدارته للبلاد وكثير الإعتناء بالشعب والأهالي. وشعر أهالي ملقا بحزن عميق لأنه كان بمثابة الأب لهم فمنذ الوقت الذي حل فيه بأي البلدين لم يحدث أنه تسبب في إيذاء شعور أياً منهم ولم يفعل إلا كل ماهو حميد ، وعند جميع الأجناس كان يعاملهم كوالد بشكل متساوي ويساعدهم كثيراً ويقدم لهم النصح والمشورة. ولهذا أحبه الجميع برهبة وخوف وأحترموه ذلك بأن قرارته كانت دائماً حكيمة وعادلة. وكان ينزع نحو الإمتياز والتفوق ولم يكن يميل نحو الأغنياء أو نحو الفقراء بل إن الكل عنده سواء . الآن لا يمكن لنا أن ننكر أن العديد من المسئولين في المناصب العليا يحترمون الأغنياء وليس الفقراء ويميلون نحو أصحاب السلطة وليس البؤساء ولهذا فنعدما يصدرون قراراتهم تأتي بغلظة على الفقراء ورقيقة على الأغنياء وتأتي شديدة وحازمة على البؤساء وغير ملزمة على أصحاب السلطة والحظوة. وهو الأمر الذي يسمح للمسئولين في المناصب العليا بإكتناز الثروات بالحصول على قدر من الرشاوى والهدايا. مثل هذه الأفعال تستحق نار جهنم ذلك بأنهم أبتعدوا عن سبيل الله وعن كل ماهو طيب وحسن بسبب طمعهم وإشتهائهم لهذه الدنيا الفانية.
ثم إن جميع الناس في سنغافورة قاموا بتجهيز الهدايا ومتطلبات الرحيل والقوارب والالآت الموسيقية وفي اليوم السابق للرحيل ، جاء الآلاف منهم لرؤيته وكان البعض منهم يبكون والبعض الآخر كانوا يتكلفون البكاء لكي يجعلوا الناس يعتقدون أنهم من أصدقائه. البعض الآخر أحضروا أنواعاً من الهدايا ، الصينيون حسب العادات الصينية والمالاويين حسب العادات المالاوية والهنود أيضاً بحسب عاداتهم. وكان فاكهار يأمر فتسجل كل أسماء هؤلاء بهداياهم وكان يرد القيمة بنقود أو بملابس أو ببعض المقتنيات الأوربية حسب رغباتهم. وكان حريصاً جداً لما يحبه الناس ، ولهذا إستمر في هذا الأمر لمدة يومين وكانت عيون الناس مبللة بالدموع. وأي شخص يأتي كان يقدم له النصح وأفضل الأمنيات ولم يبخل بمساعداتهم بتوجيهاته موضحاً أنه عائد إلى بلده وأنه لو أمتد به العمر فسوف يعود مجدداً إلى سنغافورة ، قال ذلك والدموع تملأ عينيه مما أكد صدق مشاعره لهم. خلال تلك الأيام ، تجمع العديد من الفقراء من حوله ليسألونه الصدقات وكعادته قدم لكل منهم نصيباً مما لديه. وكان أولاده وبناته جميعهم يبكون بالدموع ويجلسون في حزن عميق. ثم كانت هناك كل هذه المؤن ، والحلويات المسكرة ، والمخللات ، وأنواع من اللحوم ، والمئات من الحقائب والزكائب والزجاجات والتي قدمت جميعها للناس بسخاء .
وفي الغد ، جاء الناس من جميع الأعراق والأجناس والألوان بقواربهم المزينة بالأعلام ليصاحبوه بالموسيقى والهدايا. وكان هناك المئات من القوارب وعندما أصبح الكل مستعداً ، وكانت الميناء تصخب بأصوات الآلات الموسيقية من الفرق المختلفة من صينيين ومالاويين وهنود وجاويين وغيرهم ثم كانت هناك أصوات طلقات المدافع الهادرة والألعاب النارية بينما الناس جميعاً يتبعون المركب الذي يقل "الملك فاكهار".
وعندما تأكد الأوروبيون والمسئولون بأن جميع الناس من جميع الأعراق قدموا آيات التبجيل والتحيات للكولونيل فاكهار، أصبحوا منقسمين بين فريق منهم سعيد والآخر غاضب يلفه الحقد وقال البعض منهم "ما الهدف من تقديم الإحترامات له؟ هو اليوم لا مقام له هنا – ولا سلطة له علينا" وقوبل هذا الرأي برد سريع وحاسم: "إن الأمر لا يتعلق بكونه رجلاً عظيماً أو قليل الشأن ، غنياً أو فقيراً ، ولكن بسبب لطفه و وده – لهذا السبب فقط يأتي حب الناس الشديد له".
هذا الرد أفحم المسئولين فصمتوا حيث أنه وفي تلك الأيام باشر السيد جون كروفورد عمله كحاكم لسنغافورة وعندما رأى مدى حب الناس لفاكهار ، كان مذهولاً وذليلاً بسبب أن الناس جميعاً لم يلقوا له بالاً ولم يلاحظوا وجوده بينهم منذ أن جاء إلى سنغافورة.
ولهذا فعندما تهيأ الكولونيل فاكهار وأرتدى ملابسه وتناول غدائه في بيته ثم صعد إلى سفينته الشراعية الصغيرة وتبعه الآلاف من البشر من بيته إلى ساحل البحر وكل فرد منهم يقدم له تحيات الوداع مع الإحترام والتوقير اللازمين ، ولكي يستقبل كل هذه التحيات ويرد عليها كعادته ، إستغرق الأمر ساعتين قبل أن يركب سفينته الشراعية الصغيرة بينما الدموع تنهمر من عينيه ، ثم أنه يخلع قبعته ويلوح لهم مودعاً أربع أو خمس مرات متتالية للحشد الكبير. ثم يتبع سفينته الشراعية الصغيرة المئات من القوارب في تهليل وصخب الأمر الذي جعله ينحني لهم عدة مرات. ثم إن الناس الذين إعتلوا القوارب يتمايلون والبعض الآخر يرقصون وكل حسب نظرته للأمور وكان هناك من يطلقون المدافع ومن يطلقون البنادق وآخرون يطلقون الألعاب النارية. وكان البحر يردد الصدى. وأستمر الأمر على هذا النحو حتى وصل إلى سفينته الكبيرة في البحر ثم صعد إليها. وأحاطت القوارب الصغيرة بالسفينة الكبيرة ثم أن العديد من البحارة صعدوا ليودعوه فأستقبل كل فرد منهم بكلمات طيبة مما هدأ نفوسهم وطيب خاطرهم . وكان المشهد يوحي بأن والد في وسط أولاده يودعونه قبل رحلته حتى أن الجميع كانوا يبكون وكان هو أيضاً يبكي. وبعد قليل ، غادروا جميعاً ونزلوا إلى قواربهم لتعود بهم إلى الشاطيء. ثم جاء الكولونيل فاكهار إلى جانب السفينة الكبيرة ولوح للجميع بقبعته مودعاً أربع أو خمس مرات ، وأعادوا له التحية صارخين "سلامات" – وهي تعبير مالاوي ويعني "نرجو لك السلامة" – ولتبحر مع ريح طيبة وأن تصل سالماً لأهلك و والديك و أقاربك ،،، "سلامات" ولك العمر المديد ونأمل أن تعود مجدداً لتكون حاكمنا ،،، وهنا لوح فاكهار بقبعته ثلاث مرات بينما كانت أشرعة السفينة الكبيرة ترفرف متهيئة للإبحار.
وقد عاد الناس جميعاً إلى بيوتهم وكانوا جميعاً في حزن عميق ولمدة أيام تالية ، وإينما ذهبت ، ما أنفك الناس يحكون عنه دائماً
كرجل طيب والكثيرين تحدثوا في مديح مدوي عن لطفه وحسن خصاله و وجهه السمح.
الآن ، أنا أحكي كل هذا عنه لكي يتخذ الناس منه مثالاً لهم – أنا أقصد مثل هؤلاء الناس الذين لديهم من الفطنة والشعور العالي لكي يدركوا الحجة التي أقدمها من خلال هذه الحكاية حيث أنني الآن أنسبها إلى الشأن الخاص لرجل طيب الخصال وعلى درجة من الذكاء والفطنة وحتى يكون ممكناً ، لك أنت السيد القاريء – أن تتبع نفس المسار فيما يخص المزاج العام والنزعات والفطنة والذكاء – الأمر الذي تم وصفه آنفاً. وكما يقول المثل الشائع: " الأفضل أن يموت المرء وله إسم طيب بين الناس عن أن يعيش طويلاً بإسم سيء".
هكذا تحدث عبدالله بن عبد القادر الشهير بإسم عبدالله منشي في كتابه الأشهر "حكايات عبدالله" فيما يخص الكولونيل ويليام فاكهار - أول حاكم بريطاني لسنغافورة ومؤسس سنغافورة الحقيقي كميناء حر للتجارة العالمية.
اليوم وعندما تمشي في شوارع سنغافورة ، في القرن الواحد والعشرين ، فلن تجد شارعاً واحداً أو مؤسسة أو نادياً أو مدرسة أو محطة مترو بأسم ويليام فاكهار ولا حتى تمثال واحد يخلد إسم الرجل الذي لولاه ما عاشت سنغافورة.
جون كراوفورد : المقيم والحاكم البريطاني الثاني
أو الأسكتلندي الذي جعل سنغافورة بريطانية
وقرب نهاية زيارته الرابعة والأطول (أكتوبر ١٨٢٢ إلى يونيو ١٨٢٣) ، وقع رافلس اتفاقية مع حكام الملايو ، والتي مددت السيطرة البريطانية على الجزيرة بأكملها ، بإستثناء الأراضي والعقارات المملوكة لكل من السلطان والتيمينجونغ. كان على السلطان أن يحصل على راتب قيمته 1500 دولار والتيمينجونج 800 دولار شهريًا مدى الحياة ، في مقابل تخليهما عن حقوقهما في رسوم الموانئ ، والأسهم في إيرادات المزارع ، والهدايا من قباطنة السفن الآسيوية ، والحضور المنتظم إلى محكمة المقيم/الحاكم البريطاني . وتقرر أن يتم إنفاذ القوانين البريطانية من الآن فصاعدا "مع المراعاة الواجبة لأعراف وعادات الناس" ، واحترام قوانين وعادات الملايو في الحالات التي تنطوي على الدين والزواج والميراث "حيث يجب ألا تتعارض مع العقل أو العدالة أو الإنسانية" (اتفاقية 7 يونيو 1823). ومع ذلك ، في حين أن الحكم البريطاني أصبح أكثر مباشرة ، فقد فشلت هذه الاتفاقية في التنازل عن السيادة لشركة الهند الشرقية. مازالت السيادة بيد السلطان والتيمينجونج بحكم القانون ومازال البريطانيون مجرد مستأجرين لأراضي سنغافورة ويمكن لصاحب الأرض (السلطان) أن يطلب مغادرتهم في أي وقت.
ادعى كل من رافلس وفاكهار أنهما أسسا سنغافورة (انظر النقوش على النصب التذكاري لرافلس في دير وستمنستر في لندن ، وعلى شاهد قبر فاكهار في إسكتلندا) - ولكن لم يكن رافلس ولا فاكهار ولكن الدكتور جون كروفورد هو الذي جعل سنغافورة ملكية بريطانية. وصل كروفورد ، الذي تم تعيينه في أبريل كمقيم بريطاني ثانٍ ، إلى سنغافورة في 27 مايو لتولي مسؤولية المستوطنة وتحويلها إلى ملكية بريطانية. غادر رافلس سنغافورة في 9 يونيو ، وفاكهار في ديسمبر 1823 إلى الأبد .
في مارس 1824 ، تلقى كروفورد التصريح اللازم من كلكتا لجعل سنغافورة ملكية بريطانية دائمة. وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل معاهدة لندن الأنجلو هولندية (إتفاقية موقعة في 17 مارس 1824) ، والتي كانت إلى حد كبير منجز وزير الخارجية البريطاني جورج كانينج (والد تشارلز لورد كانينج ، نائب الملك في الهند الذي سميت من بعده فورت كاننج في بوكيت لارانغان بسنغافورة). بموجب هذه المعاهدة ، اعترف الهولنديون بالوجود البريطاني في سنغافورة ، وتبادلوا مستوطنة ملاكا الواقعة في الملايو وتشرف على مضيق ملاكا والتي كانت تحت حيازة الهولانديين من أجل مستوطنة بينكولين البريطانية الواقعة في جزيرة سومطرة (كان رافلس حاكماً لبينكولين).
وحسب أحكام هذه المعاهدة قسمت مملكة جوهور/رياو/لينجا والتي كانت تشمل أقليم جوهور في جنوب الملايو وأقليم جزر رياو وأجزاء من سومطرة بالإضافة إلى إقليم لينجا الواقع بالقرب إلى جاوة. وبذلك أصبحت سومطرة وجاوة بالكامل تحت سيطرة هولاندا بينما صارت شبه جزيرة الملايو بما في ذلك سنغافورة بالكامل تحت سيطرة بريطانيا.
أدى نفاذ و قوة هذه المعاهدة إلى تفاوض كراوفورد مع حكام الملايو حول معاهدة أخرى. عندما وضعت اللمسات الأخيرة على المعاهدة في 2 أغسطس 1824 ، تنازل حكام سنغافورة (السلطان والتيمينجونج) عن "السيادة والملكية الكاملة لصالح شركة شرق الهند وورثتها وخلفائها".
وهنا يأتي السؤال: من هو جون كروفورد؟ ما الذي أدى إلى تعيينه كمقيم / حاكم بريطاني ثانٍ لسنغافورة؟ ماذا كانت إنجازاته الرئيسية؟
مثل ويليام فاكهار، كان جون كروفورد من أصل اسكتلندي. وُلِد في جزيرة إيسلاي غرب اسكتلندا في أغسطس عام 1783. وتتبع خطوات والده في دراسة الطب وأكمل دراسته الطبية في أدنبرة في عام 1803 ، عندما كان عمره 20 عامًا فقط. بينما اختار فاكهار الخدمة العسكرية لشركة الهند الشرقية ، وعمل رافلس في قسمها الإداري ، إلتحق كراوفورد بالخدمة الطبية للشركة وتم إلحاقه بالعمل في المقاطعات الشمالية الغربية في الهند (الآن ولاية أوتار براديش) من 1803-1808. وتم نقله في عام 1808 إلى بينانغ ، شمال ماليزيا الحالية، حيث تعرف لأول مرة على جنوب شرق آسيا ، وألزم نفسه بدراسة اللغة والثقافة الملاوية.
في بينانغ ، تقاطع طريق كروفورد مع رافلس ، ورافقه في رحلة لورد مينتو التي أدت إلى الاستيلاء البريطاني على جاوة من الهولنديين في عام 1811. عندما عُيِّن رافلس حاكماً في جاوة ، تم تعيين كروفورد في نوفمبر 1811 في منصب هام وهو منصب المقيم البريطاني في بلاط جوك جاكرتا - وهو المنصب الذي رفضه فاكهار والذي شغله كروفورد بنجاح كبير.
تابع اهتماماته العلمية في دراسة اللغة الجاوية ، وأقام علاقات شخصية مع العديد من الأرستقراطيين والأدباء الجاويين ، وتم إرساله في مهام دبلوماسية إلى بالي وسيليبيس (حالياً: سولاويزي). ومع ذلك ، عندما طُلب منه مساعدة رافلس في إدخال إصلاح الأراضي في إقامة تشيريبون ، كانت هناك توترات في أساليبهم. يشرح الدكتور جون باستن ، ربما كان الأمر يتعلق بمسألة تسوية الأراضي خلال عمله كمقيم بريطاني حيث أصبحت العلاقات بين كروفورد ورافلس متوترة. كان كراوفورد ، بتجربته مع الهند ، دائمًا مؤيدًا قويًا لنظام القرى في تحصيل الإيرادات حسب المحاصيل ، وقد عارض بشدة محاولات رافلس تدعيم الملكية الفردية في جاوة. فشلت خدمات كروفورد الأخرى في التغلب على تحامل رافلس ، وفشل في الحصول على توصية إيجابية في مذكرة أعدها رافلس لصالح سلطات البنغال في أغسطس 1815.
عندما تمت إعادة جاوة إلى الهولنديين في عام 1816 ، عاد كروفورد إلى إنجلترا ، حيث ألتفت مثل رافلس إلى الكتابة عن تجاربه والنتائج التي خلص إليها من رحلته إلى الشرق. بينما أنتج رافلس كتابا لتاريخ جاوة من مجلدين في عام 1817 ، نشر كراوفورد كتابه تاريخ الأرخبيل الهندي في ثلاثة مجلدات في عام 1820. يقول الدكتور باستن: "هاجمه رافلس على أنه غير دقيق وخاطئ." ولكن كانت له نواحي إيجابية متعددة وخاصة عند دراسة هذا العمل البحثي اليوم . من خلال هذا العمل ، عاد كروفورد إلى خطته [...] لاستعمار جزر الهند الشرقية من قبل أشخاص بريطانيين ، وكان هذا من نواح كثيرة متقدماً عن أفكار رافلس ، حيث كان كروفورد دائمًا معارض قوي للاحتكار التجاري الذي تتمتع به كانت شركة الهند الشرقية ، كما كان متقدماً على رافلس أيضاً في الدعوة إلى سياسة التجارة الحرة في الأرخبيل الشرقي ".
لدى عودته إلى الهند ، تم الاعتراف بخبرة كروفورد من قبل الحاكم العام اللورد هاستينغز ، الذي أرسله في مهمة إلى البلاط الملكي لكل من مملكة سيام (تايلاند) ومملكة كوشين-تشينا (فيتنام) في عام 1821. وقد أرسله خليفة هاستينغز ، اللورد أمهيرست ، في مهمة أخرى إلى بورما (ميانمار) في عام 1827.
حققت البعثات نجاحًا محدودًا ، ولكنها كانت ذات أهمية تاريخية كبيرة. نُشرت فيما بعد بالمجلات الخاصة بتلك المهام في عامي 1828 و 1829 ، كدليلين مفيدين للبعثات المستقبلية ، والمواد المرجعية للباحثين ، والتي أعيد طبعها بعد حوالي 140 عامًا بواسطة مطبعة جامعة أكسفورد.
بين هاتين المهمتين ، تم تعيين كروفورد مقيمًا وحاكماً بريطانيًا لسنغافورة ، 1823-1826 :
مساهماته في سنغافورة
زار كروفورد سنغافورة لأول مرة في يناير عام 1822 ، أثناء بعثته الدبلوماسية إلى سيام وكوشين-تشينا ، وقد أعجب بتطور المستوطنة. كما قدم بعض الملاحظات الدقيقة لجيولوجيا الجزيرة ، كما فعل مع المناطق المحيطة بها ، والتي اكتسبت ثناءً من الجيولوجيين المحترفين اللاحقين.
في عام 1823 ، عندما أصبح رافلس غير راضٍ بشكل متزايد عن فاكهار ، دعم كروفورد كبديل له ، وعلى الرغم من بعض التحفظات التي ما زالت تعتبره "جريئًا ولا يخاف" ، "يكرس عقله حصريًا للأشياء التي يهتم بها قلبي وروحي بشدة". ومع ذلك ، كان لدى كراوفورد عقل خاص به ، وشخصية مختلفة إلى حد ما عن رافلس وفاكهار. ويسجل منشي عبد الله (حكايات عبدالله) ، الذي أعجب بالشخصين الآخرين لتعاطفهم الحار مع ناس الملايو ، فقد لاحظ في وقت لاحق أن كروفورد كان بطبيعته يميل إلى نفاد الصبر واندلاع المزاج. لقد قام بكل عمله ببطء ، دون عجل. لقد كان يهتم بنوايا الآخرين أيضًا ، وكان أيضًا رجلًا متعلمًا. ولكن كان مزاجه غير متسامح ويكره الإستماع إلى الشكاوى التي قد يطول أمدها. فهو يفضَّل الأقوال القصيرة المختصرة عن الوقائع .
كان لدى رافلس نفسه مخاوف بشأن إدارة كروفورد. في يناير 1824 ، كتب إلى أخته في سنغافورة ، "أنا آسف. كروفورد لا يعكس الكثير من الرضا والقبول من الآخرين كما كنت أتمنى ، وأنه لا يرتفع على تأثير المشاعر الشخصية في إدارته للأمور العامة. لم أضع الكثير من الثقة في حكمه أو خبرته ، لكنني كنت آمل من مهنه العامة أنه كان سيأخذ مسارا مختلفا [....] هو جديد في منصبه وقد يفلح ".
هل اتبع كروفورد مسار رافلس و "إصلاح" طرقه؟
الدكتورة ماري تيرنبول في كتابها المرجعي الشهير "تاريخ سنغافورة الحديث 1819 – 2005" تقدم هذا الرأي:
" إعتبر كروفورد أن تصورات رافلس للحكومة والتعليم العالي والإرتقاء الأخلاقي إنما هي رؤية طوباوية ، وسابقة لأوانها. لقد تخلى كروفورد عن جميع هذه التصورات من أجل الترويج لما اعتبره أفكاراً أكثر عقلانية من أفكار رافلس ، ولا سيما سياسته التجارية وبصورة أكثر تحديدًا ، قام بتشديد وإصلاح نظام رافلس القضائي ، ومرخصًا بالمقامرة تماماً كما فعل سلفه فاكهار (وهو ما رفضه رافلس) ، وفي تقرير نهائي ، حث مديري الشركة على التركيز بشكل واقعي على دعم التعليم الابتدائي بدلاً عن إنشاء معهد سنغافورة وقال: "السكان الأصليون لسنغافورة لم يبلغوا بعد هذه الحالة من الحضارة والمعرفة التي من شأنها أن تؤهلهم للاستفادة من نظام التعليم الأعلى الذي تطرحه مسألة إنشاء معهد سنغافورة [أي ، مشروع رافلس الأقرب لقلبه] " .
واجه كروفورد العديد من التحديات لإدارته خلال فترة ولايته. أولاً ، شعر رافلس بالإحباط لأن كروفورد لا يبدو أنه يمتثل لتعليمات تطوير الجزيرة التي تركها له. على سبيل المثال ، شرع كروفورد تراخيص القمار ومزارع الأفيون كوسيلة لكسب الإيرادات. وهذا أغضب رافلس ، الذي عارض خطوات مماثلة من قبل ويليام فاكهار.
حادثة أخرى وضعت قدراته الإدارية موضع تساؤل وقعت في عام 1824 ، عندما رغب مزارعي المحاصيل في الحصول على أراضي للزراعة في سنغافورة. شعر كروفورد بأن الزراعة من الناحية التجارية لن تحقق عوائد كبيرة بالمقارنة مع تطوير سنغافورة كمركز تجاري. في وقت لاحق فقط ، بعد الكثير من صرف الموارد والوقت الضائع ، ثبت أنه على صواب.
بالإضافة إلى ذلك ، شعر بعض الناس أن كروفورد لم يكن ودودًا للغاية ، لأنه كان معروفًا بنفاد صبره وغضبه السريع. إن المقارنة التي أجراها المستوطنون الأوائل مع سلفه (ويليام كروفورد) الأكثر شعبية ستجعله بطبيعة الحال أقل شعبية.
كان على كروفورد التعامل مع حقيقة أنه حتى ذلك الحين ، كان هناك غياب في الأحكام القانونية في سنغافورة. لم تتمكن شركة الهند الشرقية من وضع قواعد للأحكام القانونية في سنغافورة لسببين رئيسيين: أولاً ، لم يتم الحصول على حقوق السيادة فيما يتعلق بسنغافورة على الرغم من أن اتفاقية رافلس لعام 1823 إقتربت من ذلك. ثانياً ، حتى بعد أن تم الحصول على هذه الحقوق من خلال المعاهدة الأنجلو هولندية ومعاهدة التنازل في أغسطس 1824، لم يصدر البرلمان البريطاني رضاؤه عن هذه الأخيرة حتى عام 1826. وفقط بعد هذا التصديق تمكن الملك البريطاني من إصدار مواثيق أو خطابات براءات لإقامة المؤسسات القضائية.
حتى وصول الميثاق الثاني للعدالة ، كانت إدارة كروفورد للعدالة في الجزيرة صارمة وغير شرعية. اضطر إلى تولي سلطة لم يكن يمتلكها وقراراته لم تكن ملزمة قانونًا ؛ في الواقع ، تركوه معرضًا للمحاكمة في المحاكم الهندية في الحالات التي وقعت فيها العقوبة. ألغى كروفورد محاكم الصلح التي أنشأها رافلس واستبدل بها مسجل في بينانج على مشروعية لوائح رافلس لعام 1823. كانت محكمة الطلبات محكمة ديون صغيرة يرأسها المساعد المقيم ، وقررت محكمة المقيم جميع القضايا المدنية والجنائية "بناءً على المبادئ العامة للقانون الإنجليزي". بقدر ما تسمح الظروف المحلية و "طابع وآداب فئات مختلفة من السكان". كتب كروفورد إلى الحكومة العليا عن الأوروبيين المتحدين والمزعجين ولكن لم يتلق مساعدة تذكر. لقد نصحه ببساطة بإبعادهم. ظلت هذه الشروط دون تغيير حتى إنشاء محكمة مسجل في عام 1827 وعام 1826 ، تم تعيين كبار التجار والمسؤولين الحكوميين قضاة السلام ، مخولة للنظر في القضايا المدنية والجنائية.
كان من بين إسهاماته الرئيسية في سنغافورة نقل مستوطنات المضيق من مكتب شركة الهند الشرقية في الهند إلى مكتب المستعمرات في لندن. إذا بقيت مستوطنات المضيق تحت الولاية المباشرة للمكتب في الهند ، فقد يكون التقدم أبطأ. نقل في نهاية المطاف من الهند إلى لندن في عام 1867 زيادة كبيرة في المكانة والاهتمام التي تحظى بها سنغافورة.
من خلال معرفة هذه التصورات ، نرى كيف كان كراوفورد شخصًا يمتلك ذهنًا خاصًا به. لم يتأثر بسهولة آراء الآخرين ، أثبتت هذه النوعية من الرجال أهميته الشخصية وخاصة عندما يتعلق الأمر بتحسين ثروات المستعمرة الجديدة. كان جون كروفورد ممثلاً حقيقياً وأميناً لسلطة المستعمر الإنجليزي الذي يسعى بكل الطرق لتأكيد سلطة المستعمر وتنفيذ إراداته على الأرض ولا يهتم غير بأمر لا يوجد فيه مصلحة للمستعمر.
كروفورد معروف بقدراته الإدارية المتميزة ، والتي بدونها قد لا يكون التقدم في سنغافورة بقدر ما فعلت في ذلك الوقت. كان يشارك بنشاط في التفاصيل الدقيقة في الجزيرة. وقد اقترح أن تدابيره جعلت سنغافورة ميناء مجانيًا على المدى الحقيقي ، بعد أن ألغيت جميع الرسوم والضرائب المفروضة على استخدام الميناء.ولتزدهر المدينة الجديدة من حيث عدد السكان والتجارة والإيرادات. أول إحصاء رسمي في يناير 1824 أظهر أن الجزيرة بها 11000 نسمة. جلبت الزيادة في عدد السكان والتجارة عائدات متزايدة من مزارع الأفيون والقمار وبيع التراخيص لبعض السلع. كروفورد كان له دور أساسي في بداية أول صحيفة محلية ، The Singapore Chronicle الوقائع السنغافورية ، وكان هو المساهم الرئيسي فيها.
بطبيعة الحال ، فإن أهم إسهام له في سنغافورة كممثل للمستعمر البريطاني كان يتمثل في التفاوض بشأن معاهدة جديدة مع السلطان والتيمينجونج ، والتي عندما أبرمت في أغسطس 1824 ، جعلت سنغافورة والجزر المحيطة بها ملكية بريطانية خالصة. و قد بدأت المفاوضات عندما تسائل كراوفورد عن المبالغ المدفوعة للسلطان ، مدعيا أن الاتفاقية التي وقعت بين رافلس وحكام الملايو لم تصدق عليها المحكمة العليا البريطانية .ثم أن كروفورد إنتقل بعد ذلك إلى طلب "إسترداد" الأموال التي يُزعم أنها دفعت بشكل غير صحيح من قبل لكل من السلطان والتيمينجونج. وبكل سهولة وإريحية ، تم إيقاف جميع المدفوعات لكل من السلطان و التيمينجونج. وضع هذا القرار الحاكمين في ديون بشكل مباشر، لأنه فجأة ، وجدوا إنهم يدينون ببدلاتهم "المدفوعة بطريقة غير مشروعة" وكان عليهم ردها إلى البريطانيين.
الآن كل هذا ، بطبيعة الحال ، وضع كروفورد في موقف قوي بإمتياز. لقد علق جزرة أمام حكام الملايو من خلال اقتراح إلغاء ديونهم ، واستئناف المدفوعات على النحو المتفق عليه بموجب اتفاق 1819 ودفع مبلغ مقطوع قدره 20،000 دولار إسباني ، كل هذا في مقابل التخلي عن السيطرة على سنغافورة لبريطانيا العظمى وللأبد.
قاوم الاثنان في البداية ، لكنهما استسلما بعد أن حجز جون كروفورد بدلاتهم لمدة ثلاثة أشهر ومارس ضغوطاً محرجة عليهم بإرسال طلبات دفع ورد للديون. ونتج عن ذلك توقيع "معاهدة الصداقة والتحالف" في 2 أغسطس 1824 ، حيث تم التخلي عن سنغافورة بالكامل و رسميًا للبريطانيين.
وكان هذا إستكمالاً لواحدة من أكبر عمليات الإحتيال والنصب التاريخية المتعددة والتي برع فيها المستعمرون الغربيون.
بعد إدارته لسنغافورة وبعثته إلى بورما ، عاد إلى إنجلترا ، وقضى السنوات المتبقية من حياته الطويلة (في تناقض حاد مع رافلس ، الذي توفي عام 1826) وهو يكتب الكتب والأوراق عن الموضوعات التي تتعلق بالشرق. وبصرف النظر عن المجلات التي سبق ذكرها ، قام جون كروفورد بنشركتاباً عن أساسيات وقواعد هامة للغة الملايو (1852) وقاموس وصفي للجزر الهندية والبلدان المجاورة (1856). في الأخير ، أطلق كروفورد بعض طلقات من الغضب على رافلس ، الذي وصفه بأنه "مبتكر جريء" ولكن ليس "مفكرًا أصليًا " ، ولكن هو [الذي] يتبنى مفاهيم الآخرين بسهولة - وليس دائمًا مع إعتراف وتقدير كافيين.
لم ينجح كروفورد في محاولاته العديدة لدخول البرلمان البريطاني في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، ولكن في عام 1868 ، وهو آخر عام في حياته ، أصبح أول رئيس لجمعية مستوطنات مضيق مالاكا ، التي تشكلت لحماية مصالح المستعمرات البريطانية في مضيق مالاكا. توفي في جنوب كنسينغتون في لندن ، عن عمر يناهز 85 عامًا.
بالمعنى الدقيق للكلمة ، لا يمكن إعتبار جون كروفورد مؤسسًا أو مؤسسًا مشاركًا للمستوطنة الجديدة على جزيرة سنغافورة. كان رافلس وفاكهار هما من وضعا الأسس في الفترة من يناير إلى فبراير 1819 ، ويمكنهما على الأقل المطالبة بهذا التمييز ، والصراع لأجل هذا الشرف كما ينعكس ذلك في النقش على قاعدة تمثال رافلس في دير وستمنستر ، لندن ، وذلك على قبر فاكهار في بيرث اسكتلندا.
ومع ذلك ، مرة أخرى بالمعنى الدقيق للكلمة ، كان كروفورد هو الذي وقّع المعاهدة النهائية التي وضعت سنغافورة تحت السيادة والملكية البريطانية المباشرة ، و كما كتب العديد من الباحثين والكتاب السنغافوريين وغير السنغافوريين هذا هو الإنجاز الذي يستحق أن يتم تذكره عندما يذكر أسم جون كروفورد والاحتفال به لهذا الإنجاز. وكان أمراً مدهشاً لي شخصياً أن أجد بين السنغافوريين من يحتفلون بهذا الأمر بإعتباره فخر لسنغافورة ! (أنظر: إرنست تشو – أستاذ مساعد – قسم التاريخ – جامعة سنغافورة الوطنية – ورقة بحثية بعنوان:"الدكتور جون كروفورد: الأسكتلندي الذي جعل سنغافورة بريطانية")
ينبغي علينا هنا أيضاً أن نذكر أن هناك صورة جيدة لكروفورد في متحف سنغافورة للتاريخ. كما يوجد أيضًا نصب تذكاري غير معروف في نافذة زجاج ملون داخل كاتدرائية سانت أندرو في سنغافورة. محور القطعة مخصص لرافلس والآخر للحاكم ويليام بيتروورث (وليس ويليام فاكهار !).
تحت النصب التذكاري لكروفورد: ، كتب " إلى شرف ومجد الله وشهادة للحاكم جون كروفورد في سنغافورة في الفترة من 1823 إلى 1826 حيث في مبادئ الإدارة الأصيلة تمثلت أعماله التي ساهمت في فترة من تاريخ تلك المستوطنة على تدعيم غناها ولهذا تسجل المستعمرة هذا الفخر به".
أخيرًا ، هناك "شارع كروفورد" الذي قد سمي باسمه ، وإن كان هناك شك يتعلق في أنه الشخص المقصود ويتمثل في خطأ التهجئة المختلفة للاسم حيث عادة يكتب الأسم CRAWFURD بينما أسم الشارع المشار إليه مكتوب CRAWFORD .
خارج سنغافورة ، يتم ذكر كراوفورد في عالم المنح الدراسية عن أعماله في المنطقة ، بناءً على بعثاته الدبلوماسية وأبحاثه الشخصية. مثل رافلس ، كان زميل الجمعية الملكية. بالإضافة إلى ذلك ، تم انتخابه أيضًا زميلًا في الجمعية الجغرافية ، مما يعكس اهتماماته الواسعة في العلوم الإنسانية والعلوم. في العديد من النواحي ، يعد الدكتور جون كروفورد نموذجًا رائعًا للإداريين الباحثين اللاحقين في سنغافورة من وجهة نظر الموسوعة البريطانية.
المستوطنين الأوائل في سنغافورة
حسب الإحصاء الأول في سنغافورة ، الذي تم في يناير 1824 ، سجل مجموع عدد سكان سنغافورة بعدد كلي 10،683 مستوطناً (عشرة آلاف وستمائة وثلاثة وثمانين نسمة) وضم العدد 74 أوروبيًا و 16 أرمنيًا و 15 عربيًا و 4،580 مالاوياً و 3،317 صينيًا و 756 من الهنود و 1،925 من أهالي بوجيز (من أقاليم إندونيسيا حالياً). أظهرت التعدادات اللاحقة في 1825 و 1826 و 1827 وما بعدها معدلات نمو سكاني سريعة في الجزيرة ونسبة عالية بشكل غير متناسب من الرجال إلى النساء.
على الرغم من أن سجلات التعدادات المبكرة لم تعد موجودة ، إلا أن المصادر الثانوية تقدم معلومات عن هذه التعدادات وتكوين أول المستوطنين. وأشار جون كروفورد ، الذي كان آنذاك المقيم البريطاني (الحاكم) ، إلى أن السكان الأصليين كانوا يتألفون من الملايو ، والبوجيز ، بالإضافة إلى خدام السلطان حسين شاه وتيمينجونج عبد الرحمن. أما الصينيون الذين شكلوا ثاني أكبر مجموعة عرقية ، فقد تشكل أغلبية الصينين من البيراناكان الذين آتوا من مالاكا ( البيراناكان هم جنس خليط من الصينيين الذي تزاوجوا مع نساء المالاويين) والصينيين المهاجرين من ماكاو و المهاجرين من كانتون (كوانغدونغ) والمهاجرين من فوكين (فوجيان). وكان الهنود من منطقة مالابار وساحل كورومانديل ، في حين كان الأوروبيون معظمهم من البريطانيين. وقد تم استبعاد الزوار العابرين ، والمساجين والأفراد العسكريين من التعدادات.
في الأيام الأولى ، كان مجرد وجود السلطان حسين شاه والتيمينجونج عبدالرحمن في سنغافورة هو أمر حيوي وضروري لجذب التجارة. وحتى تلك اللحظة كانت رياو هي المركز الرئيسي للتجارة في إقليم سومطرة ومثلت أيضاً مركزاً متنامياً لإنتاج الجامبير الصيني ، وهو النبات المستخدم في الصباغة ، ولكن وبسرعة تحولت هذه التجارة المتنامية إلى سنغافورة.
إجتذب الميناء الجديد المراكب من سيام وكمبوديا وفيتنام فضلاً عن السفن الغربية من الهند ، وجاءت أول سفينة صينية من ميناء أموي في إقليم فوجيان بالصين في فبراير 1821 ثم أول سفينة من أوروبا للتجارة مع السفينة وصلت في الخمسة أشهر التالية. في أول سنتين ونصف بعد تأسيس ميناء سنغافورة الحر ، وصلت تقريباً 3000 سفينة إلى سنغافورة. في ذلك الوقت فإن تجارة التصدير والإستيراد بلغت مجموع 8 مليون دولار ومنها 5 مليون دولار عبارة عن بضائع تحملها سفن آسيوية و 2 مليون دولار على سفن أوروبية. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة البريطانية في شك من نجاح سنغافورة كميناء وكمستوطنة ، كان قطاع التجار ورجال الأعمال يعربون عن كامل ثقتهم الكاملة في سنغافورة. وشجع ويليام فاكهار الجميع على إستيطان سنغافورة وبحلول عام 1821 كان هناك حوالي 5000 نسمة يعيشون في سنغافورة المتعددة الأعراق والأجناس منهم 3000 من الملايو وأكثر من ألف نسمة من الصينيين وحوالي من 500 إلى 600 من البوجيز والهنود والعرب والأرمن والأوربيين وغيرهم من الأقليات. وأجتذبت الثروة الجديدة لزعماء المالاويين العديد من الأتباع وهم الذين إستقروا في قرية التيمينجونج على ضفاف النهر أو حول قصر السلطان في كمبونج جيلام ناحية شرق المدينة.
الجالية الصينية في سنغافورة
وكانت سنغافورة جاذبة بشكل خاص للصينيين المعروفين بإسم نان يانج (نسبة لبحر الصين الجنوبي) وهم الصينيون الذين أداروا شبكة واسعة للتجارة لمئات السنين عبر بحر الصين الجنوبي وأنتشروا من الفلبين إلى الأرخبيل الإندونيسي و رياو وملاكا ثم بينانج وحتى بانجوك وموانيء فيتنام وكمبوديا القديمة وأستقروا في بعض الأقاليم كمزارعين وعمال مناجم وصناع وتجار. والواقع أنه لم يتوافر أي دعم من الحكومات الصينية على مر التاريخ للصينيين النان يانج المغتربين وعلى العكس وبشكل رسمي فقد حرمت الحكومات الصينية المتعاقبة التجارة الخارجية الخاصة وحرمت الهجرة على المواطنين الصينيين. ولهذا فقد تجمعوا حيث توافرت لهم الأسباب والظروف الأكثر ملائمة. والتاريخ يحكي أن أياً من المراكز التجارية السابقة لم يكن مثالياً لمعيشة وحياة الصينيين النان يانج وكان دائماً مفروضاً عليهم التآلف مع السكان المحليين وأن يقدموا الكثير من التنازلات حتى يتم قبولهم في الأقاليم المختلفة. كانت جزيرة بينانج في شمال ماليزيا الحالية من الناحية الجغرافية مريحة لهم و ساعدهم أن الإدارة البريطانية لم ترهقهم بالضرائب بعكس مناطق أخرى كانوا عرضة لضرائب فادحة وقوانين غير منتظمة ومتغيرة كما كانوا عرضة للإبتزاز والقيود المضجرة.
من هنا كانت عوامل الجذب التي وفرها ويليام فاكهار في سنغافورة أساساً لجعلها مركزاً طبيعياً للتجارة في جنوب شرق آسيا مما حولها إلى أن تكون مقراً مختاراً للصينيين النان يانج المغتربين الذين إختاروا الإنتقال إلى سنغافورة من مناطق إقامتهم في أقاليم جنوب شرق آسيا المختلفة.
أوائل المهاجرين الصينيين الذين أستوطنوا سنغافورة جاؤا من رياو ومالاكا والكثيرين منهم من عائلات أستقرت طويلاً هناك في تلك المناطق وكانوا يتزاوجون مع سيدات من طائفة الملايو لكي يشكلوا معاً طائفة جديدة عرفت في تاريخ أقاليم الملايو بإسم طائفة "بيراناكان" وأطلق على رجالها الصينيين لقب "بابا" أما نسائها فيطلق عليهن لقب "نونيا" ومازالوا حتى اليوم يشكلون الطائفة الأشد تسامحاً والأقل تعصباً والأكثر قبولاً للآخر وتميزوا بفنونهم وملابسهم المختلفة عن أهالي البلاد الآخرين ولهم طعامهم وأكلاتهم الخاصة بهم في ماليزيا وسنغافورة خاصة وربما في مناطق أخرى أيضاً.
من أهم الرواد الأوئل من الصينيين ، كان "تان تشي سانج Tan Che Sang " والذي رحل عن محل إقامته في كانتون بالصين عام 1787 في الخامسة عشر من عمره وصنع ثروته في رياو وبينانج ثم مالاكا وبعدها جاء إلى سنغافورة في عام 1819 في إستجابة لدعوة ويليام فاكهار وأقام أول مستودع للبضائع وكان وكيلاً ملاحياً وبخاصة للمراكب والسفن الصينية. وكان معروفاً لويليام فاكهار منذ كان في مالاكا. وقام تان تشي سانج بتشجيع هجرة الصينيين إلى سنغافورة بوقوفه معهم كضامن للقادمين الجدد إذا رغبوا في الحصول على بضائع تحت ضمانات لبدء تجارتهم في سنغافورة. ولكنه كان معروفاً أيضاً كمقامر عتيد وتميز بالبخل الشديد ولم يكن له أي صلات إجتماعية وبالرغم من إتصاله الشخصي بويليام فاكهار فلم يكن معروفاً عنه حرصه على التواصل أو معرفة الحكام وأصحاب النفوذ. وكان مهووساً بجمع الأموال وكان مشهوراً عنه أنه يجمع أمواله في خزائن حديدية ولا ينام إلا وسطها. عندما مات في سنغافورة عام 1832، قيل أن جنازته حضرها حوالي عشرة آلاف شخص وكان مشهداً غير مسبوقاً.
وكان الشخص الصيني الآخر الذي يضارعه في الثروة والمال في تلك الأيام الأولى لسنغافورة ، كان هو الصيني الهوكيان "تشوا تشونج لونج Choa Chong Long" والذي ولد في مالاكا تحت حكم الهولانديين حيث كان والده هو زعيم الطائفة الصينية في مالاكا أو كما كانوا يطلقون عليه: "كابتن تشينا". وفي سنغافورة ، صار تشوا تشونج لونج زعيم طائفة الصينيين "كابتن الصين" وهو أول مزارع وتاجر للأفيون في سنغافورة. وعلى العكس من تان تشي سانج ، كان "تشوا تشونج لونج" سخياً ومبذراً ويروى عنه أنه أقام مآدبة في عام 1831 للإحتفال بعيد ميلاده الرابع والأربعين وحضرها جمع من أصحاب السلطة والنفوذ في سنغافورة ومنهم الكثير من الأوروبيين. في عام 1836 ، غادر سنغافورة إلى الصين ويقال أنه قتل هناك على إيدي اللصوص الذين إعترضوا طريقه في ماكاو.
الواقع أن معظم المستوطنين الآسيويين الأوائل من أصحاب النفوذ كانوا بالفعل من الأغنياء وكونوا ثرواتهم قبل أن يصلوا إلى سنغافورة ، ولا ينطبق عليهم المثل السائر "من الخيش للريش" ولا يوجد بينهم من ينطبق عليه قصص النجاح للشباب الذي جاء حافياً ليرفع من مستواه المادي والإجتماعي عن طريق العمل الشاق ليصل في النهاية لتكوين الثروات واللحاق بأصحاب السلطة والنفوذ. وكان الصيني الهوكيان " تان توك سينج Tan Tock Seng " إستثناءً. وُلِد تان توك سينج في مالاكا عام 1798 ، وهو الابن الثالث لمهاجر من مقاطعة فوجيان ، بالصين ، وإمرأة من أهالي مالاكا من البيراناكان (الصينيين من مواليد المضيق). في عام 1819 ، وفي سن الحادية والعشرين ، غادر تان مالاكا وجاء إلى سنغافورة. بدأ الشاب المبتدئ كبائع للخضروات ، حيث جلب المنتجات من الريف لبيعها في المدينة. بحلول عام 1827 ، كان قد وفر ما يكفي من المال لفتح متجر على ضفاف النهر في منطقة بوت كي. ثم ومن خلال مشروع تجاري مشترك مع جيه. إتش. هوايتهيد من عائلة شو وأسسوا شركة هوايتهيد وشركاه للمضاربة على الأراضي و أصبح تان توك سينج في النهاية رجل أعمال ثريًا. وشملت ممتلكاته مساحة 50 فدانًا من الأرض والتي كانت تقع حيث أنشئت فيما بعد محطة السكك الحديدية في "تانجونج باجار" ، ومساحات من الأرض تمتد من البادنج وصولاً إلى هاي ستريت وتانك رود. كما أمتلك كتلة من البيوت التجارية في مبنى إيدينبوروه ومزرعة للفواكه على مساحة 14 فدان مقابل مستشفى سانت أندروز ميشن هوسبيتال.
تان توك سينج ، رجل الخير
قدم تان مساهمات سخية للجمعيات الخيرية. وكان معروفًا أنه كان يتولى نفقات دفن الصينيين المعدمين. كانت لفتاته الخيرية الأكثر شهرة هي التبرع بمبلغ 5000 دولار لبناء مستشفى باوبير الصيني (الذي سمي فيما بعد مستشفى تان توك سينج – وهو واحد من أكبر مستشفيات سنغافورة حالياً) . وفي عام 1844 في بيرل هيل بالقرب من الحي الصيني ، تم تصميم المبنى من قبل المساح الحكومي جيه. تي. تومسون وعلى الرغم من اكتماله في نهاية عام 1846 ، إلا أن المبنى كان يعمل كمستشفى فقط ابتداءً من عام 1849 فصاعدًا لأن الحكومة قد استخدمته كسجن مؤقت للمذنبين. أسس تان توك سينج أيضًا معبد ثيان هوك كينج في شارع تيلوك أيير ، واليوم هو أقدم معبد في سنغافورة ومركزالعبادة وبخاصة لطائفة الهوكيان الصينيين.
كان "تان توك سينج" أول آسيوي يحصل على لقب " قاضي السلام " من قِبل الحاكم البريطاني آنذاك ويليام ج. بتروورث ولدوره في مساعدة المهاجرين الصينيين الأوائل على تسوية النزاعات بينهم حصل تان توك سينج على لقب "كابتن الصين". وبعد مرض قصير ، توفي تان توك سينج عن عمر يناهز 52 عامًا في 24 فبراير 1850. ومازال قبره يقف شاهداً على ذكراه ويقع قبره على طول المنحدر العشبي في أوترام هيل بالقرب من الحي الصيني.
طائفة البوجيز
ولسنوات عديدة ، كان التجار من البوجيز والذين سيطروا على التجارة في الجزر الشرقية من الأرخبيل وأنتقلوا إلى رياو حيث نعموا بالسلطة والنفوذ لإرتباطهم بالزواج والمصاهرة من الأسر الملكية في الملايو ورياو. وكان لعودة السيطرة الهولاندية على رياو أثره المهدد لمركز البوجيز التجاري في الأرخبيل مما نتج عنه صدامات مسلحة في فبراير 1820. حيث هرب حوالي 500 من البوجيز تحت قيادة زعيمهم وشيخهم " آرونغ بيلاوه " إلى سنغافورة. وكان للظهور المفاجيء لسفن البوجيز الكثيرة والشبيهة بالسفن الحربية ولسمعة البوجيز كمحاربين أشداء أثره المرعب على جميع سكان سنغافورة آنذاك. ولكنهم سرعان ما أستراحوا عندما علموا أنهم جاؤا كمستوطنين ومهاجرين ومعهم نسائهم وأطفالهم بهدف التمتع بشروط التجارة الحرة التي توفرها سنغافورة للجميع. وكانت هذه أكبر جالية مهاجرة إلى سنغافورة ورحب بهم المقيم البريطاني ويليام فاكهار وكان سعيداً بهم لأنها كانت جالية متوازنة من أسر وعائلات مختلفة الأمر الذي من شأنه أن يزيد من إستقطاب تجارة البوجيز الكبيرة إلى سنغافورة. وعندما طلب الهولانديون من المقيم البريطاني أن يسلم " آرونغ بيلاوه " لهم وطرده من سنغافورة ، ورفض ويليام فاكهار طلبهم ومنح زعيم البوجيز حق اللجوء في سنغافورة وليكون تحت حماية البريطانيين. أختار البوجيز أن يقيموا حيهم الجديد بالقرب من قصر السلطان في كمبونج جيلام وبالقرب من نهر روتشور ومازال الحي قائماً ومعروفاً حتى اليوم ومميزاً بمحطة المترو "محطة بوجيز" والمركز التجاري الضخم "بوجيز مول" الذي يرتاده الآلاف من السنغافوريين وزوار سنغافورة يومياً. فمن هم البوجيز؟
جاء البوجيز في الأصل من إقليم يقع في شبه الجزيرة عند الجنوب الغربي من جزيرة سيليبيس (المعروفة الآن باسم سولاويزي) ، وهي جزيرة إندونيسية تقع بين بورنيو ومولوكاس (المعروفة الآن بجزر مالوكو). وسرعان ما أكتسبوا سمعة كبيرة كبحارة مهمين في جنوب شرق آسيا الذين إرتحلوا عبر بحر الصين الجنوبي ، وكان البوجيز معروفين تقليديًا بطابعهم الشرس وشعور الشرف والفخر الذي يميزهم. والواقع أنهم من جنس الملايو السائد في جنوب شرق آسيا ، والبوجيز مسلمون أيضاً ، والإسلام جزء مهم من ثقافتهم.
على الرغم من أن أنشطة تجار البوجيز في أرخبيل الملايو قد تم تسجيلها في وقت مبكر من القرن السادس عشر ، إلا أن البوجيز كانوا في الأصل مزارعين وأن دخولهم في الأنشطة البحرية أصبح مكثفاً فقط في القرن الثامن عشر وكان هذا استجابةً لإستيلاء الهولنديين على ميناء ماكاسار في جزيرة سيليبيس (الموطن الأصلي للبوجيز) ، الأمر الذي أدى إلى قطع بوجيز عن التجارة في المناطق المحيطة بها. وهكذا أُجبر أهالي بوجيز على السفر عن طريق البحر إلى أجزاء أخرى من أرخبيل الملايو ، وخاصة سواحل سومطرة والملايو ورياو ، بحثًا عن فرص تجارية .
منذ القرن الثامن عشر وما بعده ، استقر العديد من البوجيز في سلطنة جوهور ، خاصة في رياو ، التي أصبحت ميناءً مهمًا. بالإضافة إلى الأنشطة التجارية ، أصبح البوجيز مشاركين بقوة في المؤامرات السياسية في المنطقة. في أوقات مختلفة من الزمن ، عملوا كمرتزقة يقاتلون من أجل الأمراء الملايو المختلفين في نزاعات خلافة سلطنة جوهور. تزوج بعض نساء البوجيز أيضًا من العائلة المالكة في سلطنة جوهور وتمكنوا من السيطرة على منصب "يانغ دي بيرتوان مودا" (نائب الملك) ، وهو منصب تم إنتقاله لاحقًا كحق مكتسب عبر سلالة البوجيز وكان هذا من أسباب إنقساك وسقوط إمبراطورية الملايو فيما بعد كما سنرى لاحقاً.
في عام 1784 ، غزا الهولنديون رياو في محاولة لسحق منافسيهم التجاريين ، البوجيز ، الذين طردوا من المنطقة خلال حروب نابليون (1803-1815) ، تم تسليم الأراضي الهولندية في جنوب شرق آسيا مؤقتًا إلى البريطانية للإدارة. وسمح هذا الترتيب للبوجيز باستئناف أنشطتهم التجارية في رياو. بعد عودة الهولنديين إلى المنطقة في عام 1819 ، إندلعت اشتباكات مسلحة بين الخصمين التجاريين. نتيجة لذلك ، غادر عدد من مستوطني رياو البوجيز متوجهين إلى سنغافورة ، حيث يمكنهم التجارة بحرية أكبر تحت إدارة البريطانيين.
وكما ذكرنا سالفاً ، في فبراير 1819 ، بعد وقت قصير من وصول البريطانيين ، وصلت إلى سنغافورة مجموعة من 500 بوجيز بقيادة شيخهم " آرونغ بيلاوه " ، و أصبحت سنغافورة بعد ذلك مركز تجارة البوجيز في الجزء الغربي من أرخبيل الملايو. في عام 1824 ، تم الإبلاغ عن ما مجموعه 90 سفينة بوجيز وصلت إلى ميناء سنغافورة. في العام التالي ، ارتفع عدد سفن البوجيز التي تزور الجزيرة إلى 120 سفينة تجارية. وبحلول عام 1824 ، كان هناك حوالي 1851 فرد من البوجيز في سنغافورة يشكلون أكثر قليلاً من 10 في المائة من سكان الجزيرة. بلغ عدد سكان البوجيز في سنغافورة ذروته أي حوالي 2000 شخص في ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما احتكر تجار البوجيز فعليًا التجارة مع الجزر الشرقية في أرخبيل الملايو. من أهم شخصيات البوجيز ، كان الحاج أمبو سولوه (من مواليد 1891 وتوفي في 1963) ، والمعروف أيضًا باسم الحاج إمبوك سولو ، وكان من قيادات مجتمع الملايو البارزة ورجل أعمال ومحسن من المنحدرين من أصول البوجيز والذي يُذكر على أنه أحد مؤسسي صحيفة الملايو "أوتوسان ملايو". جاء الحاج أمبو من عائلة بوجيز وكان لهم تجارة واسعة و كانت العائلة تملك أسطولًا من السفن التي كانت تقوم برحلات تجارية منتظمة بين سنغافورة وبقية موانيء أرخبيل الملايو. وكان يمتلك ممتلكات كبيرة وكذلك مزارع الفلفل الأسود والجامبير في بورنيو وسومطرة.
طائفة الهنود التاميل – نارينا بيلاي
أما عن هنود سنغافورة ، فمن المعروف أنه عند تأسيس سنغافورة فإن غالبية الجنود الذين جاؤا مع الكولونيل ويليام فاكهار المقيم البريطاني كانوا من الهنود ومثلوا غالبية الحامية البريطانية في سنغافورة. وجاء عدد قليل من التجار الهنود من بينانج حيث إستقروا وأقاموا أكبر جالية هندية من التجار في جنوب شرق آسيا. وكان أشهر من جاؤا إلى سنغافورة من الهنود هو " نارينا بيلاي " والذي صاحب رافلس في زيارته الثانية إلى سنغافورة في مايو 1819. بيلاي بدأ أعماله بإنشاء محرقة للطوب ليصبح أول مقاول بناء في سنغافورة وفيما بعد أنشأ محلاً لتجارة البضائع القطنية وهو المحل الذي إحترق ليساعده رافلس لإستعادة إستثماراته مرة أخرى بعد أن كاد يعلن إفلاسه. منحه رافلس أرض مميزة في وسط المدينة عند الساحة التجارية (المعروفة بإسم رافلس بلاس حالياً). قام بيلاي ببناء محله التجاري الجديد هناك وبدأ عمله من جديد. على الرغم من الحياة الصعبة التي عانى منها ، إلا أن بيلاي كان لديه رؤية لبناء معبد هندوسي في سنغافورة ، ودفع بعض الأموال للأرض. كان الموقع الأصلي المخصص للمعبد في شارع تيلوك آير ، لكنه وجد أنه لا يتوافر فيه مصدر للمياه العذبة اللازمة لطقوس العبادة. وتم منحه بقعة أرض مؤقتة بالقرب من قناة ستامفورد في عام 1821 قبل منحه موقع آخر على طريق ساوث بريدج في عام 1823. وكان هذا المعبد هو معبد سري ماريامان ، والذي تم تسجيله بإعتباره من المباني الأثرية والتاريخية وكنصب تذكاري وطني. وكان لدى بيلاي رؤية مماثلة لإنشاء معهد تعليمي لتعليم وتثقيف الأولاد الهنود. حصل بيلاي على إعتراف كزعيم لجالية الهنود في سنغافورة. وتم تعيينه رئيسًا للهنود من تشولاماندالامان ، وتم منحه سلطة تسوية النزاعات بين الهنود التاميل.
الجالية العربية
لم يكن العرب غائبين عن التجارة في جنوب شرق آسيا. والوقائع التاريخية تحكي لنا سبق العرب التجاري على الوجود الأوروبي في جزر الهند الشرقية. ومنذ القرن الثامن الميلادي كان للعرب وجود تجاري في الأرخبيل الإندونيسي ومع حلول القرن الثامن عشر كان العرب مستقرين في مناطق مختلفة من سومطرة وبورنيو وجاوة – عندما يذكر العرب هنا فالمقصود بالعرب هم أولئك التجار العرب الذين خرجوا على سفنهم من الساحل العماني وساحل حضرموت عبر عصور مضت وأستمروا في التجارة والتبشير بالإسلام في أقاليم جنوب شرق آسيا حتى العصور الحديثة.
وقد شكل العرب مجتمع صغير ولكنه مهم في سنغافورة. لعب العرب أدوارًا اقتصادية بارزة في تجارة التجزئة وتجارة الجملة والإنتاج ، ورحلات الحج الإسلامي وتطوير العقارات. كما شاركوا في الأعمال الخيرية مثل إنشاء المدارس الدينية والتبرع بالأرض لمشاريع المجتمع. ويلاحظ أن غالبية العرب في سنغافورة هم من نسل الحضارمة العرب الذين أتوا أصلاً من أقليم حضرموت في جنوب اليمن. والمعروف والمسجل لدينا هنا من خلال السجلات السنغافورية لأرشيف الحكومة السنغافورية الرسمي أن العرب من حضرموت هاجروا إلى جنوب شرق آسيا بأعداد كبيرة من منتصف القرن الثامن عشر وما بعده. ولا يوجد لدينا أي سجل يحكي لنا تاريخ العرب في الأرخبيل الإندونيسي من القرون والعصور السابقة على تأسيس سنغافورة في العام 1819. وبصرف النظر عن هذا الأمر ، فإن العرب الحضارمة سرعان ما أصبحوا قوة اقتصادية مهيمنة في المنطقة وتنافسوا مع التجار الصينيين للتأثير في الشؤون المحلية في مدن مثل باليمبانج وبيكالونغان الواقعة في سومطرة ضمن جزر الهند الشرقية (إندونيسيا الحالية) وقت الحكم الهولاندي لها. شجعت السلطات البريطانية في وقت لاحق الهجرة العربية إلى سنغافورة لتعزيز الحياة التجارية فيها. ويُعتقد أن العرب الأوائل وصلوا إلى سنغافورة في عام 1819. وكانوا سيد محمد بن هارون الجنيد وابن أخيه سيد عمر بن علي الجنيد ، التجار العرب من باليمبانج. معظم العرب الذين جاءوا لاحقًا إلى سنغافورة كانوا أيضاً من جزر الهند الشرقية الهولندية حيث حققوا ثروتهم لأول مرة وأصبحوا على دراية بالتقاليد المحلية . في عام 1824 ، سجل التعداد 15 فرداً عربيًا مقيمين في سنغافورة. وبحلول عام 1901 ، إرتفع عدد العرب في سنغافورة إلى 919 نسمة. كان العرب شخصيات بارزة في مجتمع سنغافورة في القرن التاسع عشر. لقد كانوا رواد أعمال ناجحين يشاركون في تجارة البيع بالتجزئة والبيع بالجملة بالإضافة إلى العقارات. و يُعتقد أن العرب الحضارمة ، ولا سيما أولئك الذين يحملون اللقب الشرفي "سيد" ، أنهم من نسل النبي محمد ، ونساؤهم تحملن اللقب الشرفي "شريفة" ومنهم عائلات "الجنيد" و"الكاف" و"السقاف" و"العطاس" و"الحداد" و"الحبشي" وغيرهم. ثم كان هناك الحضارمة الآخرين الذين يقال أنهم إنتموا إلى جماعة "الأنصار" ممن هاجروا من المدينة المنورة إلى حضرموت في فترة فجر الإسلام وأستوطنوا حضرموت ويحمل الرجل منهم اللقب الشرفي "شيخ" والنساء حملن اللقب الشرفي "شيخة" ومن أبرزهم عائلة "الخطيب" ثم كان هناك عائلات تنتمي إلى قبائل اليمن وهم من يحملون كلمة "با" قبل أسم القبيلة مثل "باشراحيل" و"باكثير" و"باعيسى" وغيرهم ثم هناك من ينحدرون من عائلات وقبائل سلاطين حضرموت القدماء ومنهم عائلات "بن طالب" و "بن عبدات" وغيرهم . وعلى هذا النحو ، خدم العديد من العرب كقادة دينيين في المجتمع الإسلامي في سنغافورة. ونظرًا لثرواتهم ونفوذهم ، كان العرب أيضًا يشاركون بنشاط في أعمال الرعاية الخيرية والاجتماعية بين المسلمين.
لقد نجح العرب في الإستثمارات العقارية حيث أمكنهم شراء الأراضي والعقارات بأسعار جيدة. على سبيل المثال ، إمتلكت عائلة السقاف فندق رافلس الشهير في عام 1900 في حين أن عائلة الكاف قامت بإنشاء أول مركز تسوق (مول تجاري) في سنغافورة ، وهو الأركيد Arcade ، في عام 1909. وفي عام 1931 ، كان العرب الحضارمة ، مع المجتمع اليهودي ، يشكلون أكبر مالكي العقارات في سنغافورة. (حسب ما جاء في السجلات الرسمية لمكتبة سنغافورة الوطنية – (Singapore Infopedia
بحلول القرن العشرين ، بدأ العرب يفقدون مكانتهم الاقتصادية البارزة في سنغافورة بسبب عوامل مختلفة ، بما في ذلك السياسات الحكومية مثل مراقبة الإيجار وقوانين مصادرة الأراضي إجبارياً والذي أدى لمصادرة كثير من الأراضي والتي كانت مملوكة بشكل حصري للعرب الحضارمة. حافظ المهاجرون العرب الأوائل على روابط وثيقة مع وطنهم. لقد كان من الممارسات الشائعة للعرب الحضرميين أن يرسلوا أبنائهم إلى حضرموت لفترة من الوقت للتعرف على ثقافة وتقاليد حضرموت ويتعلمون اللغة العربية ثم يعودوا مرة أخرى إلى سنغافورة. ومع مرور الوقت ، استوعب العديد من العناصر العربية عناصر الثقافة الإندونيسية و الملاوية وأدى التزاوج مع المسلمين من الملايو والهنود المحليين والألفة المتزايدة مع العادات المحلية لكي يصبحوا أشبه بالمالاويين من سكان البلاد المحليين. وكان الاستيعاب واسع الانتشار إلى درجة أن العديد من الأجيال الشابة من العرب الحضارمة اليوم لم يعودوا يتحدثون اللغة العربية أو يتبعون تقاليد مجتمعهم الأصلي.
السجلات الرسمية تدلنا على أن أول العرب الذين وصلوا إلى سنغافورة كانوا هما "سيد محمد بن هارون الجنيد" وأبن أخيه "سيد عمر بن علي الجنيد" وكان ذلك في عام 1819. وكانوا معروفين بثرائهم وتجارتهم الواسعة في مدينة باليمبانج – من بلدان أمبراطورية جوهور / رياو العامرة آنذاك – وتقع في شرق جزيرة سومطرة قبل إنتقالهم إلى سنغافورة التي أستوطنوها وصاروا من كبار الأغنياء وأصحاب النفوذ فيها. في البداية ، سيد عمر جعل منزله في قلب المدينة. وكانت الأرض التي بني عليها البيت تمتد على طول طريق نورث بريدج من شمالي بوت كي إلى هاي ستريت ، بالقرب من جسر إلجين ، وتغطي مساحة فدان واحد تقريبًا . كان هذا البيت مسرحًا لمحاولة اغتيال سيد عمر في عام 1823. وقد ذكرنا حكاية سيد ياسين ، وهو تاجر من باهانغ تم إرساله إلى السجن من قِبل المقيم البريطاني آنذاك وليام فاكهار لعدم تسديد ديونه مع سيد عمر. ونجا سيد عمر سالما ، لكن الشجار العنيف الذي حدث أدى إلى طعن فاكهار من قبل سيد ياسين ، الذي قُتل فيما بعد ومثل بجثته ثم أمر رافلس بصلب جثته لعدة أيام قبل السماح بدفنه.
كان السيد عمر يولي إهتماماً كبيراً لبيته في هاي ستريت High Street وأمر في وصيته أن يبقى المنزل مملوكاً لأسرته إلى الأبد . ومع ذلك ، تم عرض منزل عائلة الجنيد على هاي ستريت للبيع في عام 1919 وبيع بأكثر من مليون دولار .
في حين أن القليل معروف عن ممتلكات عمه سيد محمد الذي توفي في عام 1824، فإن ملكية الجنيد تحت إدارة سيد عمر كانت واسعة للغاية. تم الإشارة إلى حجمها وقيمتها في تقارير الصحف في عام 1881 والتي غطت البيع المطول لعقارات سيد عمر . وبالاستحواذ على ما لا يقل عن تسعة من مبيعات المزادات العلنية ، بلغ إجمالي عائدات المبيعات أكثر من 875،000 دولار. في حين أن المبيعات لم تشمل منزل الإقامة العائلية القديمة للسيد عمر في شارع هاي ستريت ، فقد قدرت أنه إذا كان جزءًا من مزادات العقارات ، فمن المحتمل أن يصل إجمالي العائدات إلى أكثر مليون دولار .
قبل بدء نشاطه التجاري في سنغافورة ، كان سيد عمر يتاجر في باليمبانج حيث كان التجار العرب قد شكلوا نخبة تجارية ضمن المجتمع التجاري هناك. بحلول منتصف القرن التاسع عشر ، أصبح سيد عمر "التاجر العربي الرئيسي" في سنغافورة. يمكن التعرف من حجم النفوذ والتقدير اللذين تمتع بهما من تعيينه عام 1851 كواحد من الأعضاء الآسيويين الأثنين فقط (والآخر كان الصيني تان كيم سينغ) للعمل مع التجار الأوروبيين الرئيسيين مباشرة و لتمثيل حكومة مستوطنات مضيق مالاكا في معرض صناعي يضم جميع منتجات الإمبراطورية البريطانية وأقيم في لندن عام 1852. في سنغافورة ، أسس سيد عمر شبكة تجارية واسعة ومربحة شملت سيام (تايلاند) ، و مدراس (الهند) وبومباي (الهند) .
مع ثروته ، ساهم سيد عمر في رفاهية المستعمرة المتنامية (سنغافورة). وقد تبرع بالأرض وبنى مسجدًا على طريق عمر في كامبونغ مالاكا ، والذي كان يتم صيانته والصرف عليه عن طريق الإيجارات التي يتم جمعها من الأراضي المحيطة والمملوكة للمسجد. وضع العقار كوقف إسلامي (ملكية عامة للمسلمين) ، وأصبح المسجد ، المعروف باسم مسجد عمر كامبونج ملاكا ، مفتوحًا أمام أي شخص للصلاة منذ إنشائه وما زال قائماً حتى الآن.
عند وفاته ، سلم سيد عمر وصاية المسجد والأراضي إلى أبنائه . وإستفادت الجالية المسلمة في سنغافورة أيضًا من مسجد آخر من خلال جمعية سيد عمر الخيرية. هذا هو مسجد البنجالي في شارع بينكولين الذي تم بناؤه على الأرجح بين عامي 1825 و 1828 ، والذي خدم المجتمع الصغير في كامبونج بينكولين الذي تبع رافلس من بينكولين (مدينة في غرب سومطرة حيث كان رافلس حاكماً عاماً لها) إلى سنغافورة. تم بناء المسجد في الأصل من الآتاب (وهو عبارة عن بناء تقليدي من جذوع نخيل الآتاب المحلية المنتشرة في جنوب شرق آسيا وتغطية السقف بزعف نخيل الآتاب) ، وقد تم تحويله إلى مبنى أكثر صلابة من قبل سيد عمر نفسه في حوالي 1845، ومازال هذا المسجد أيضاً قائماً وتقام فيه صلاة الجماعة حتى اليوم.
هدية أخرى من سيد عمر للمسلمين في سنغافورة هي أرض المدافن في شارع فيكتوريا كوقف لدفن أموات المسلمين، والذي تم إغلاقها ومنع الدفن فيها منذ سنوات ثم أستولت عليها الحكومة في عام 1998 ، وتم تخصيصها لإعادة التطوير من قبل هيئة إعادة التطوير العمراني . قبل وفاته في نوفمبر 1852 ، كان سيد عمر يرغب في أن تكون قطعة الأرض الكبيرة بين شارع فيكتوريا وقناة روشور بمثابة وقف لدفن المسلمين . وعندما توفي تم دفنه في المقبرة التي يشار إليها فيما بعد باسم "مقبرة سيد عمر الجنيد" . في عام 1927 ، بدأت عائلة الجنيد في إنشاء مدرسة دينية في شارع فيكتوريا بالقرب من المقبرة وهي المدرسة المعروفة اليوم باسم مدرسة الجنيد الإسلامية ، ويلتحق بها أولاد وبنات المسلمين لدراسة اللغة العربية والقرآن الكريم بالإضافة إلى العلوم والرياضيات الحديثة والمدرسة تعتمد مناهج التعليم من الأزهر الشريف بمصر بينما تعتمد مناهج وزارة التعليم السنغافوري فيما يتعلق بالعلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية. وكان مؤسس المدرسة ، سيد عبد الرحمن بن جنيد الجنيد ، حفيد سيد عمرالجنيد . ومن المعروف أيضاً أن سيد عمر قد تبرع بالأرض التي أقيمت عليها كاتدرائية سانت إندروز في وسط سنغافورة كما تبرع وساهم في بناء مستشفى تان توك سينج. وفي عام 1926 ، أطلقت الحكومة أسم الجنيد على الطريق الواسع الكبير الذي ربط بين شرق سنغافورة ووسطها تيمناً بإسم سيد عمر بن علي الجنيد (المتوفي في 1852) الذي إمتلك أراضي ومزارع واسعة على طول هذا الطريق. اليوم في سنغافورة الحديثة ، هناك محطة مترو في شرق سنغافورة عند نهاية طريق الجنيد وتحمل إسم "محطة الجنيد" ثم إن الحي بإكمله يسمى حي الجنيد وهو يمثل دائرة إنتخابية هامة حيث خسر فيها حزب حركة الشعب (حزب الحكومة) أمام حزب العمال (المعارضة) في عام 2015 وفقد ثلاثة من أهم الوزراء مقاعدهم في البرلمان وأعلنوا نهاية حياتهم السياسية بتلك الهزيمة القاسية والمذلة التي أحرجت الحزب الحاكم.
في السنوات الأولى من الإدارة البريطانية لسنغافورة ، تم تخصيص قطعة أرض للعرب بالقرب من قصر السلطان في كمبونج جيلام ، ومازالت أسماء الطرق في المنطقة عربية خالصة ، مثل شارع العرب Arab Street وشارع بغداد وشارع البصرة وشارع مسقط ، كما تم تسمية شوارع مختلفة في سنغافورة بإسماء عرب بارزين. ومن الأمثلة على ذلك طريق الجنيد Aljunied Road و الكاف آفينيو Alkaff Avenue و طريق سيدعلوي Syed Alwi Road.
طائفة الأرمن
بعد فترة وجيزة من تأسيس ستامفورد رافلس سنغافورة كميناء تجاري في عام 1819 ، وصل التجار الأرمن إلى سنغافورة. أظهر التعداد الأول لسنغافورة في عام 1824 ، 16 أرمنيًا ، وأظهر تعداد 1826 أن هناك 16 رجلاً و 3 إناث من طائفة الأرمن في سنغافورة. وكان عدد السكان قد ارتفع إلى 35 بحلول عام 1833. وكان معظم الأرمن الذين استقروا في سنغافورة خلال هذا الوقت من التجار. أول أرميني يتاجر في سنغافورة كان آريستاركيس سيركيس Aristarkies Sarkies ، الذي بدأ عمله في عام 1820 وأسس شركة بإسم سركيس وشركاه Sarkies & Company.
وعلى الرغم من صغر عددهم ، إلا أن الأرمن كانوا نشطين في النشاط التجاري لسنغافورة من وقت مبكر. وكانت الشركات التجارية الأرمنية مثل سركيس وموسيس (1840-1914) ، أبكار وستيفنز (1826-1845) وماكريتش إم موسيس (1820 - 1839) من الشركات التي لعبت دوراً بارزاً في إقتصاد سنغافورة. بحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، بدأ التجار الأرمن في الاستثمار في الأراضي. في مارس 1836 تم بناء كنيسة القديس جريجوري المنور ((The Church of St Gregory the Illuminator، مما يجعلها الكنيسة الثانية التي تم بناؤها في سنغافورة. وقد تم إعتبارها من التراث التاريخي وتسجيلها كنصب تذكاري وطني في 28 يونيو 1973. كما تم تسمية العديد من الشوارع على اسم رموز المجتمع الأرميني ، مثل الشارع الأرميني أو أرمينيان ستريت ، وجاليستان آفينيو ، وطريق ساركيس وسانت مارتن درايف. وهناك عدد من الشوارع الأخرى المرتبطة بالطائفة الأرمينية ولكن تم شطبها وتشمل سكة الأرمن أو أرمينيان لين وكان يتفرع عن أرمينيان ستريت ، و طريق نرسيس .
وعلى عكس نظرائهم الأوروبيين ، سعى التجار الأرمن لجعل سنغافورة وطنهم الدائم. ومن ثم أحضروا عائلاتهم إلى الجزيرة ، وعلى عكس التجار الصينيين والعرب في سنغافورة الذين جاؤا رجالًا منفردين بشكل أساسي في البدايات من ثلاثينيات وحتى ثمانينيات القرن التاسع عشر ، وكانت الأسر الأرمنية البارزة تمتلك عقارات كبيرة في سنغافورة.
تم تسجيل 80 أرمنيًا في إحصاء عام 1881. وبحلول الثمانينيات من القرن التاسع عشر ، تخطى عدد كبير منهم التجارة في أعمال أخرى مثل الممارسة القانونية والتصوير الفوتوغرافي والعمل في صناعة الفنادق. كان لمذبحة الأرمن التي قام بها الأتراك عام 1915 أثرها على المجتمع الأرميني في سنغافورة و رأى الأرمن المحليون إنشاء صندوق الإغاثة الأرميني ، وتم رصد أكثر من 8000 دولار إجمالي جمعها أقل من 80 أرمنيًا . أظهر تعداد 1931 وجود 81 أرمنيًا في سنغافورة ، وهو أعلى رقم مسجل للأرمن في إحصاء محلي . ومع ذلك ، فإن الكساد العظيم للإقتصاد العالمي في الثلاثينيات وجه ضربة شديدة لكثير من الشركات الأرمنية على الصعيدين المحلي والخارجي. وقام اليابانيون بإحتجاز الأرمن الذين كانوا رعايا بريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب ، بحلول الخمسينات من القرن العشرين ، هاجر معظم أفراد الجالية الأرمنية من سنغافورة إلى أستراليا أو تزاوجوا وأصبحوا جزءًا من المجتمعات الأكبر في سنغافورة. وكان هناك عدد أقل من الشركات الأرمنية في سنغافورة. وكان التعداد السكاني عام 1947 هو الأخير الذي شمل الأرمن كمجموعة متميزة ، حيث كان عدد الأرمن أصغر من أن يكون ذو دلالة إحصائية ومع ذلك ، خلال الأعياد المسيحية ، لا تزال أعلام سنغافورة وأرمينيا مرفوعة معاً في الكنيسة الأرمنية.
شخصيات الأرمن البارزين
كان كاتشيك موسيس (موفيسيان) (1812-1895) مؤسسًا مشاركًا لصحيفة “ستريتس تايمز” في عام 1845 ، والتي ستصبح الصحيفة الإنجليزية الوطنية حتى اليوم في سنغافورة ، وجدير بالذكر أنه قد باع الصحيفة بعد عام واحد لأنها كانت غير مربحة. وكما هو معروف ، أسس الأخوان سركيس (مارتن وتيجران) فندق رافلس الشهير في سنغافورة وعدة فنادق أخرى في جنوب شرق آسيا ، بما في ذلك فندق إيسترن أورينتال في بينانغ ماليزيا وفندق ستراند في رانجون ، ميانمار (بورما سابقاً) .
المجتمع الأوروبي
بخلاف مسئولي شركة الهند الشرقية البريطانية من الأوروبيين ، جاء عدد قليل من الأوروبيين المستوطنيين إلى سنغافورة أثناء السنوات الأولى. وبالرغم أن إدارة الشركة في كلكتا قد أغمضت عينيها عن تطبيق قوانينها العامة على المستوطنين الأوروبيين وإحتياجهم للحصول على رخصة للإقامة والعمل في مستوطناتها فإن الأوروبيين لم يكن لديهم الحافز الكافي للحضور إلى سنغافورة وإتخاذها مقراُ لتجارتهم في البداية حيث شاع بينهم أن البريطانيون قد يتخلون عن سنغافورة في أي وقت للهولانديين . أضف إلى ذلك أنه لم يكن مسموحاً لهم بشراء الأراضي في ذلك الحين. وكان معظم الأوروبيين هم من رجال البحرية السابقين الذين إعتزلوا العمل في البحر وتفرغوا للتجارة وأصبحوا وكلاء لمؤسسات تجارية أوروبية من الهند أو غيرها. وكان منهم الأسكتلندي أليكسندر إل. جونستون وهو قبطان وصاحب سفينة سابق والذي إستقر في سنغافورة في يوليو 1820 وأسس مؤسسة جونستون إيه. إل. جونستون وشركاه Johnston A. L. Johnston & Co وظل عميداً للتجار الأوروبيين حتى إعتزاله وسفره من الشرق في عام 1841. وصل إلى سنغافورة لأول مرة بين عامي 1819 و 1820. وكان أحد أوائل المستوطنين المحبوبين من الجميع ، وكان من بين أول القضاة الذين عينهم السير ستامفورد رافلس. وجعله أيضًا أحد أول أمناء معهد سنغافورة (فيما بعد معهد رافلس). في عام 1820 ، وكان عضوًا نشطًا في مجتمع التجار. وكان عضوًا مؤسسًا في غرفة تجارة سنغافورة في عام 1837 وانتخب أول رئيس لها. كرجل أعمال رائد في سنغافورة ، أمضى أكثر من 20 عامًا من حياته هنا ، وترك بصمته وغادر سنغافورة في ديسمبر 1841 إلى إنجلترا قبل تقاعده في اسكتلندا. توفي في 19 فبراير 1850 في اسكتلندا.
وهناك إسكتلندي آخر هو "أليكسندر جوثري" مؤسس أقدم مؤسسات سنغافورة والتي مازالت تعمل حتى اليوم في القرن الواحد والعشرين. جذب افتتاح سنغافورة كميناء مجاني في عام 1819 العديد من التجار البريطانيين من القطاع الخاص. هؤلاء هم التجار الذين عملوا داخل الدائرة الآسيوية ولكن تم منعهم من إجراء تجارة مباشرة مع لندن لأن هذا كان مخصصًا لشركة الهند الشرقية البريطانية. كان أليكسندر جوثري أحد هؤلاء التجار ووصل إلى سنغافورة في 27 يناير 1821 لبدء فرع محلي لشركة توماس هارينجتون وشركاه. جاء جوثري إلى الشرق بعد ما يقرب من عقد من الزمن بعد أن تخلت شركة الهند الشرقية عن إحتكارها للتجارة الهندية في عام 1813. عندما انتهى الاحتكار ، سرعان ما أدرك التجار من القطاع الخاص البريطاني قيمة سنغافورة كمركز للتجارة بين الهند والصين. تم توجيه الكثير من هذه التجارة التي كانت قد ذهبت إلى رياو في القرن السابق إلى سنغافورة حيث تم شراء المساحات الأرضية من قبل التجار الأوروبيين لغرض إنشاء مستودعات تجارية وعقارات أخرى. بعد فترة وجيزة من إنشاء قاعدة تجارية من قبل البريطانيين في سنغافورة ، وصل تجار البوجيزBugis من جزيرة سيليبيز (المعروفة الآن باسم جزيرة سولاويزي) والتجار الصينيين الذين يقلعون على قوارب ومراكب صينية صغيرة من كانتون (المعروف الآن باسم كوانجيزو) بأعداد كبيرة. وسرعان ما أصبحت سنغافورة قاعدة للشحن حيث يتحصل التجار الأوروبيون على الحرير الصيني الذي يجلبه التجار الصينييون ولينقلوه إلى لندن على متن شحنات سفن شركة الهند الشرقيةEIC ، في حين يبيع التجار البريطانيون القطن الإنجليزي ليجعل إلى التجار الصينيين لكي يشحنوه معهم عند العودة إلى الصين.
كانت شركة جوثري Guthrie ، مثلها مثل الوكالات البريطانية الأخرى في سنغافورة ، تعمل كوكلاء للمنتجين البريطانيين الذين زودوها بمنتجات من الصوف والقطن. وغالباً ما يبيع التجار البريطانيون في سنغافورة هذه السلع المصنعة الغربية للتجار الآسيويين عن طريق الائتمان (الضمان) ، ويدفعون في المنتجات المحلية (من المضائق) مثل البهارات والسكر والقصدير التي يتم الحصول عليها من المزارعين المحليين وعمال المناجم. وقام التجار البريطانيون بدورهم بشحن هذه المنتجات المحلية إلى لندن كمدفوعيات إلى دائنيهم. من العناصر الأخرى التي حصدت أرباحًا غنية لجوثري وتجار آخرين ، الأفيون ، وهي سلعة غير قانونية تم نقلها من كلكتا ، الهند ، إلى سنغافورة على متن سفن مملوكة لشركة الهند الشرقية EIC ، ثم تم تحميلها على سفن خاصة للتوزيع والبيع في الصين.
في نوفمبر 1823 ، قام جوثري بحل فرع توماس هارينجتون المحلي وأسس شركته الخاصة مع شريك جديد ، جيمس سكوتس كلارك ، في منتصف فبراير 1824. قام جوثري بتنويع أعماله وغامر في أنشطة مثل التخزين والشحن والتأمين. في عام 1830 ، أصبحت شركة و وكالة جوثري هي الوكيل السنغافوري للمصرف التجاري في لندن ، كوتس أند كومباني. قام جوثري أيضًا بتقليل اعتماده على التجارة من خلال الاستثمار في إنتاج جوزة الطيب للتصدير. غادر جوثري سنغافورة في عام 1847 وتوفي في لندن في عام 1865.
لدى وصوله إلى سنغافورة في عام 1825 ، أنشأ الدكتور خوسيه دي ألميدا (Jose d’Almeida ) مستوصفًا في الساحة التجارية (المعروفة حالياً بإسم رافلس بلاس) بعد وقت قصير من وصوله إلى هنا ، وأتيحت لدي ألميدا الفرصة لمساعدة سفينتين تجاريتين تقطعت بهم السبل بشكل غير متوقع في الجزيرة بسبب الطقس ، وأضطرا لبيع جزء كبير من بضائعهم لتغطية نفقاتهم. أصبح دي ألميدا وكيلها التجاري ونجح في مساعدتهم على بيع بضائعهم. فقرر مواصلة تأسيس شركة تجارية بإسم خوسيه دي ألميدا وشركاه ، Jose d'Almida & Co. ، في عام 1825 تم تغيير اسمها إلى دي ألميدا وولده Jose d'Almida & Son عندما انضم ابنه "يواكيم" "Joaquim" ، إلى الشركة. وبعد سنوات قليلة في عام 1837 ، تم تغيير اسم الشركة إلى "خوسيه دي ألميدا وأولاده" ، عندما بدأ شقيق يواكيم الأصغر ، "خوسيه" ، العمل في الشركة . عندما توفي خوسيه دي ألميدا الكبير في عام 1850 ، نمت الشركة لتصبح واحدة من أكبر الشركات وأكثرها احتراما في سنغافورة. واستمرت الشركة حتى عام 1865 ، عندما تسبب الركود الاقتصادي في كارثة لكثير من الشركات ، بما في ذلك خوسيه دي ألميدا وأولاده ، التي أفلست.
كان خوسيه دي ألميدا حريصًا جدًا على الزراعة وكان أحد المزارعين الرواد في سنغافورة. وقام بتجربة زراعة السكر والقهوة وجوز الهند والفانيليا . وكان لديه مزرعة للقطن في تانجونج كاتونج ، حيث حاول زراعة بذور القطن التي أحضرها من أمريكا الشمالية والبرازيل ومصر ومناطق أخرى من العالم. كما قدم أنواعًا مختلفة من الأشجار والفواكه إلى سنغافورة ، مثل الموز الألميدا الشهير Pisang d'Almeida ، ومع ذلك ، لم تنجح معظم مؤسساته .كانت دي ألميدا واحدة من الأعضاء المؤسسين للجمعية الزراعية والبستانية عندما تأسست عام في سنغافورة عام 1836 مع وليام مونتجمري (واحد من المستوطنين الأوائل في سنغافورة) ، وكان لهم الفضل في إكتشاف نوع من أنواع المطاط الطبيعي ، والتي قدموها إلى العالم الغربي حوالي عام 1842. كان دي ألميدا شخص مؤنس ومضياف ، وكان منزله في بيتش رود Beach Road يُعتبر مركزًا للحياة الاجتماعية في سنغافورة ، حيث أقام حفلات كبيرة. وكانت الأسرة تضم أيضًا موسيقيين بارعين ، وفي العديد من الأمسيات ، كانوا يشكلون أوركسترا مع موسيقيين آخرين ويسعدون ضيوفهم بعروضهم الموسيقية . وفي عام 1842 ، زار خوسيه دي ألميدا أوروبا ، حيث تم منحه لقب "فارس" من قبل ملكة البرتغال وعين قنصلًا عامًا للبرتغال في مستوطنات المضيق. وكان أن منحه ملك إسبانيا أيضاً لقب "فارس". وقبل وفاته بفترة وجيزة ، أصبح عضوًا في "مجلس الملكة" في البرتغال . وتمت تسمية طريق متفرع من ساحة "رافلس بلاس" بإسمه ومازال هذا الطريق قائماً في قلب الحي التجاري بسنغافورة الحديثة تشرف عليه ريبابليك بلازا ، واحد من أكبر ناطحات السحاب التجارية ويمر به الآلاف من الناس يومياً. توفي خوسيه دي ألميدا في سنغافورة في 17 أكتوبر 1850. ودُفن في المقبرة في فورت كانينج هيل . قيل إنه في يوم الجنازة ، كان حاكم سنغافورة أحد حاملي النعش ، وحضر الجنازة كل تاجر تقريبًا في البلدة. تزوج خوسيه دي ألميدا أكثر من مرة وأنجب 19 أو 20 طفلاً وبقي عدد قليل من أطفاله في سنغافورة ، بينما عاد آخرون إلى ماكاو وألمانيا .
طائفة الأوروبيين/الآسيويين أو الطائفة الآوراسية
يمكن تتبع أصول الأوروبيين إلى التجار الأوروبيين والمسؤولين والأفراد الذين سافروا إلى آسيا بين القرن السادس عشر والقرن العشرين. كان البرتغاليون من أوائل الأوروبيين الذين وصلوا إلى آسيا ، حيث تواجدوا في الهند من عام 1505 وفي ملقا من عام 1511 إلى عام 1641. تم تشجيع التزواج بين الرجال البرتغاليين والنساء المحليات ، مما أدى إلى ظهور نسل الأوراسيين في الهند ومالاكا وماكاو وهم الأبناء والبنات الناتجين من زواج أوروبي بإمرأة آسيوية أو العكس (وإن كان نادراً أن تتزوج النساء الأوروبيات من الرجال الآسيويين في ذلك الزمان). كثير من هؤلاء الأوروبيين سوف يستقرون في وقت لاحق في سنغافورة في أوقات مختلفة. وقد ظهرت العائلات الأوراسية أيضًا من المستوطنات الهولندية في ملقا وسيلان (سريلانكا الآن) وجزر الهند الشرقية الهولندية (الآن دولة إندونيسيا) ، وكذلك من المستعمرات البريطانية في بينانج بالهند وبينكولين (الآن مدينة بنجكولو الإندونيسية).
كان توماس فارو من بينانج من أوائل الأوروبيين/الآسيويين الذين عاشوا في سنغافورة. ووصل إلى سنغافورة بعد بضع سنوات من تأسيس البريطانيين لميناء سنغافورة في عام 1819 وكان من أوائل المستوطنين الذين امتلكوا أراضي على الجزيرة. وقد لوحظ أن هناك 12 كاثوليكياً من أصل برتغالي جاؤا من مالاكا إلى سنغافورة . أستخدم مصطلح "الأوراسي" لأول مرة في حوالي عام 1820 لوصف الأشخاص من أصل أوروبي آسيوي. ولكن لم يستخدم المصطلح في السجلات الرسمية لمستوطنات المضيق إلا من حوالي العام 1849.
يسرد إحصاء عام 1931 قائمة 6900 فرد أوروآسي يعيشون في سنغافورة في ذلك الوقت. إستمر عدد السكان من أصل أوراسي في سنغافورة في النمو بعد الحرب العالمية الثانية ، لكنه لم يشكل أبدًا أكثر من 2.2 بالمائة من سكان الجزيرة. وشهدت الخمسينيات والستينيات هجرة جماعية من الأوروآسيين إلى المملكة المتحدة وأستراليا ودول الكومنولث الأخرى بعد إنسحاب أفراد بريطانيين من سنغافورة. غير أن العديد من الأوروآسيين ظلوا في سنغافورة وشغلوا مناصب عليا في الخدمة المدنية في المكاتب الحكومية المختلفة. وفي سنوات ما بعد الاستقلال ، واصل المجتمع الأوروبي/الآسيوي التقلص في أعداده نتيجة للانصهار من خلال الزيجات بين الجماعات العرقية الأخرى وإستمرار الهجرة.
في السنوات الأخيرة ، لعبت الرابطة الأوراسية دورًا رئيسيًا في توحيد المجتمع وتطوير هوية مشتركة أقوى. وسعت الرابطة أيضًا تعريف الأوراسي لتشمل أي شخص من أصل أوروبي وآسيوي مختلط. في السابق ، كان الأشخاص الأوروآسيوين فقط هم الأشخاص الذين كان آباؤهم من أصل أوروبي أو من ألقاب أوروبية. في عام 2012 ، كان هناك حوالي 17000 أوروآسيوي في سنغافورة.
خلال الفترة الاستعمارية ، شغل العديد من الأوروآسيويين وظائف ذوي الياقات البيضاء وكانوا يعملون ككتبة وموظفين في الخدمة المدنية ، والبنوك الأوروبية ، والمؤسسات التجارية . وهناك عدد كبير من النساء الأوراسيات الذين عملن أيضًا ، كمدرسات وممرضات بشكل كبير. وكان الأوروآسيون يتمتعون بميزة واضحة على المجتمعات الإثنية الأخرى في سنغافورة تحت الإدارة البريطانية للمستعمر بسبب إتقانهم للغة الإنجليزية وكذلك إلمامهم بتقاليد وعادات المسؤولين الاستعماريين البريطانيين. علاوة على ذلك ، نظرًا لأن معظم الأوروآسيويين كانوا مسيحيين ، فقد تمكنوا من الإلتحاق بمدارس الإرساليات المسيحية ، وبالتالي كانوا يشكلون النخبة الأفضل تعليماً.
أنشأ الأوروآسيويون عدة جمعيات خلال الفترة الاستعمارية. في عام 1883 ، أنشأ المجتمع الأوراسي "نادي سنغافورة الترفيهي" (SRC) كنادي رياضي لتزويد الأوروآسيين بالفرص والتسهيلات لممارسة الألعاب الجماعية ، وخاصة الكريكيت .في "بادانج" ، نم نادي SRC من نادٍ رياضي إلى نادي كامل - مدمج مع الأنشطة الاجتماعية وسرعان ما أصبح نقطة محورية للمجتمع الأوراسي. بسبب نقص الأموال ، سُمح لغير الأوروآسيويين بالانضمام إلى النادي كأعضاء في الخمسينيات من القرن الماضي. مازال النادي يمارس نشاطه من موقعه المتميز في وسط سنغافورة.
رابطة أوروآسيوية أخرى هي نادي البنات الرياضي (GSC) الذي تأسس في عام 1929. في ذلك الوقت ، كان SRC نادٍ حصريًا للذكور ، ولذلك تم إنشاء GSC لتشجيع النشاط الرياضي بين النساء الأوراسيات. وتم تسمية النادي في البداية باسم Goldburn Sports Club تيمناً بإسم العائلة التي منحت مقر النادي في البداية. ومع ذلك ، تم تغيير اسم النادي إلى GSC عندما تم نقل مقره إلى مكانه الحالي في عام 1930. كان GSC مهمًا في الريادة في الرياضات الجديدة مثل الهوكي وكرة السلة للبنات في سنغافورة. في عام 1971 ، تم فتح باب العضوية في GSC أمام جميع المجموعات العرقية الأخرى. جمعية الرابطة الأوراسية هي المنظمة الرئيسية التي تمثل المجتمع الأوراسي اليوم. وتأسست الجمعية في عام 1919 بهدف تعزيز النهوض ورعاية مصالح المجتمع الأوراسي. كان هذا مهمًا بشكل خاص لأنه في ذلك الوقت كانت سنغافورة مقسمة بشدة وفقًا للمجموعات العرقية المختلفة. اليوم ، تواصل الرابطة الأوراسية رعاية رفاهية وتطور مجتمع الأوروآسيويين. كما أنه بمثابة منصة لإثراء تماسك المجتمع الأوروبي/الآسيوي وكذلك لإدماج المجتمع في مجتمع سنغافورة متعدد الثقافات .
الممارسات الثقافية الأوروبية الآسيوية عادة ما تكون مزيجًا من التقاليد الأوروبية والآسيوية. التأثير الأوروبي واضح في الدين واللغة والرياضة. في الواقع ، فإن معظم الأوراسيين هم مسيحيون وعادة يحتفلون بأعياد مثل عيد الفصح والصوم الكبير وعيد الميلاد. ونظرًا لأن غالبية الأوروبيين في سنغافورة لديهم أصل برتغالي من مالاكا ، لا يزال هناك تأثير برتغالي قوي في الثقافة الأوروبية الآسيوية. وهم يستخدمون لغة خليط ترجع أصولها إلى البرتغالية ويعرفونها باسم كريستانج وهي تكون لغة مشتركة لليوروآسيين في مالاكا وغيرها من المستوطنات التجارية البرتغالية. وتشترك لغة الكريستانج في العديد من أوجه التشابه مع اللغة البرتغالية من حيث المعجم والنطق ولكن قواعدها اللغوية هي لغة الملايو بشكل واضح. وهناك عدد من كبار السن من الأوراسيين ما زالوا يتحدثون تلك اللغة حتى اليوم. بالإضافة إلى ذلك ، يُعتبر الرقص والموسيقى على الطريقة البرتغالية جزءًا من الثقافة الأوراسية التقليدية .
عندما أتى الأوروبيون إلى سنغافورة ، أصبح الكثير منهم متأثرًا بالتعاطف مع البريطانيين أكثر من أسلافهم البرتغاليين. لقد تبنوا اللغة الإنجليزية كلغة أولى ، وتعلموا ممارسة الرياضات التي يمارسها البريطانيون مثل الكريكيت والهوكي ، وأدمجوا الممارسات البريطانية الأخرى في ثقافتهم وعاداتهم. ينعكس التراث الثقافي المختلط للمجتمع الأوراسي أيضًا في المطبخ. على سبيل المثال ، طبق أوروبي آسيوي شهير يدعى "ديفيلز كاري" Devil’s Curry هو طبق من اللحوم يتم إعداده باستخدام التوابل والبهارات المحلية المالاوية مثل أوراق الكاري وعشب الليمون ومسحوق الكاري. ثم كعكة السووجي Sugee ، وهي كعكة أوروبية آسيوية شهيرة في سنغافورة ، ومصنوعة من دقيق السميد (sugee) واللوز. وغالبا ما يتم تقديمها في الاحتفالات الأوراسية ، وخاصة حفلات الزفاف .
على الرغم من كونه مجتمعًا صغيرًا ، فقد ساهم العديد من الأوروبيين في نمو وتطور سنغافورة ، خاصة في السياسة والحكومة. خلال الفترة الاستعمارية ، عمل الزعيم الأوراسي إدوين تيسنسون كمفوض للبلدية في عام 1915 وكان أول أوروبي آسيوي رشح للمجلس التشريعي .وكان الجراح تشارلز جيه. باغلار قائدًا بارزًا للمجتمع الأوراسي ، خاصةً خلال الاحتلال الياباني. ومع ذلك ، رأى البعض أن تعاونه مع اليابانيين أثناء الاحتلال هو علامة على عدم الولاء واتهم بالخيانة بعد الحرب. ولم تتم إدانة باغلر بالتهمة واستمر في خدمة مجتمعه والجمهور بعد الحرب. وقدم السير جورج إ. أوهلرز مساهمات كبيرة في المجالس البلدية والمدن ، وعمل رئيسًا للمجلس التشريعي من 1955 إلى 1963. ومن بين الأوروآسيويين الآخرين الذين كانوا بارزين في الساحة السياسية كينيث م. بيرن وإي دبليو باركر وبنجامين شيريز. كان بيرن عضواً في أول حكومة لحزب العمل الشعبي (PAP) كوزير للعمل والقانون ، لكنه ترك السياسة في الستينيات من القرن العشرين. واصل خدمة الحكومة بمختلف المناصب التي شغلها ، بما في ذلك منصب المفوض السامي/سفيرسنغافورة في مختلف البلدان. دخول السياسة في عام 1963 ، شغل باركر منصب رئيس الجمعية التشريعية ووزير القانون. كان بنجامين شيريز أول أوروآسيوي يتولى منصب رئيس جمهورية سنغافورة عندما تم تعيينه في هذا المنصب في عام 1971. وشغل هذا المنصب حتى وفاته في عام 1981.
وقائع مؤلمة في تاريخ جنوب شرق آسيا
في عام 1818 ، تم تعيين السير ستامفورد رافلس كحاكم لبنكولين في غرب سومطرة. ومع ذلك ، فقد كان مقتنعا بأن البريطانيين بحاجة إلى إنشاء قاعدة جديدة في جنوب شرق آسيا للتنافس مع الهولنديين. على الرغم من أن الكثيرين في شركة الهند الشرقية البريطانية عارضوا هذه الفكرة ، فقد تمكن رافلس من إقناع اللورد هاستينغز ، الحاكم العام البريطاني للهند ، بفكرته. ثم وبموافقة الحاكم العام ، بدأ هو وبعثته البحث عن قاعدة جديدة.
عندما وصلت بعثة رافلس إلى سنغافورة في 29 يناير 1819 إكتشفت مستوطنة أهل الملايو الصغيرة عند مصب نهر سنغافورة تحت أمرة وحكم تيمينجونج عبد الرحمن الذي إقتطع جزيرة سنغافورة مقراً له. على الرغم من أن الجزيرة كانت قانونياً تحت الحكم السلمي من قبل سلطنة جوهور/رياو ولينجا وكان نطاق حكمها يشمل أقليم جوهور ويشتمل على ولاية جوهور الحالية وأجزاء من ولاية باهانج الحالية في جنوب وشرق شبه جزيرة الملايو وأقليم وجزر رياو في شرق سومطرة وجزر لينجا الواقعة عند شمال جاوة ، إلا أن الوضع السياسي كان غامضًا للغاية. كان السلطان الحاكم ، " تنكو عبد الرحمن " ، تحت تأثير الهولنديين والبوجيز (محاربين أشداء أصولهم تعود إلى جزيرة سيلاوزي في إندونيسيا الحالية). وبالتالي ، فهو لن يوافق أبدًا على إقامة قاعدة بريطانية في سنغافورة.
ومع ذلك ، كان" تنكو عبد الرحمن" حاكمًا فقط لأن شقيقه الأكبر" تنكو حسين " والمشهور بأسم " تنكو لونج " كان بعيدًا في ولاية باهانج من أجل الزواج عندما توفي والدهما في عام 1812. تم تعيين "تنكو عبد الرحمن " من قبل " يام توان مودا " أي نائب الملك المقيم في إقليم رياو والمعروف بإسم "راجا جعفر" لأنه وفقًا له في تقاليد الملايو ، يجب أن يكون الشخص بجانب السلطان المحتضر حتى يعتبر الحاكم الجديد. ومع ذلك ، يجب أن يقرر مجلس بنديهارا (أشبه بمجلس الوزراء حالياً) هذه المسألة باعتباره "حارس العادات (التقاليد)" في السلطنة. وكما كان متوقعًا ، لم يكن الأخ الأكبر سعيدًا بهذا التطور.
احتجت أخت راجا جعفر ، وهي الملكة الأم وزوجة السلطان الراحل ، بشدة على تصرفات أخيها بهذه الكلمات النبوية ، "... أي عادات من الخلافة تتبع؟ الأفعال الجائرة مثل هذه سوف تكون سبباً في تدمير سلطنة جوهور!". ثم قامت بإحتجاز صولجان الحكم والتاج الملكي والأختام الملكية ورفضت تسليمها رافضة الاستسلام لتصرفات أخيها.
كان بنديهارا "على" المقيم في باهانج علم بشؤون الخلافة وقرر التصرف. فأعد أسطوله من القوارب والمحاربين وبدأ الإعداد للتوجه إلى رياو "لإعادة المحافظة على العادات". عندما علم البريطانيون بأمر هذا الأسطول المرسل لمهاجمة رياو ، أقاموا حصارا لمنع قوات بنديهارا "علي" من التقدم.
في وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، وبمساعدة تيمينجونج عبد الرحمن ، تمكن رافلس من تهريب تنكو حسين ، الذي أختار العيش في المنفى في إحدى جزر رياو ، وعاد إلى سنغافورة. و وفقًا لمراسلات بين تنكو حسين وشقيقه ، فهو أضطر للذهاب إلى سنغافورة بدافع قلقه على سلامة ابنه. ولسوء الحظ ، تم القبض عليه بواسطة رافلس وأجبر على عقد صفقة. وينص اتفاقهما على أن البريطانيين سوف يعترفون بأن تنكو حسين هو "الحاكم الشرعي" لـ "جوهور" ، وبالتالي سيتلقى تنكو حسين وتيمينجونج راتباً سنوياً من البريطانيين. في المقابل ، فإن تنكو حسين سوف يسمح لرافلس بإنشاء مركز تجاري في سنغافورة. تم التصديق على هذه المعاهدة في 6 فبراير 1819.
طلب البريطانيون من بنديهارا "علي" (وهو في حكم رئيس وزراء السلطنة) الإعتراف بتنكو حسين كحاكم وسلطان لجوهور وسنغافورة. ومع ذلك ، إدعى بنديهارا "علي" أنه لا صلة له بالأحداث في سنغافورة ، لأنه إقطاعية تابعة للتيمينجونج وذكر أن ولاءه يكمن فقط مع سلطان جوهور في لينجا.
المعاهدة الأنجلو هولندية
كان الهولنديون مستائيين للغاية من أفعال رافلس. وإستمرت التوترات بين الهولنديين والبريطانيين حول سنغافورة حتى عام 1824 ، عندما وقعوا المعاهدة البريطانية الهولندية. (كانت هذه المعاهدة أشبه بإتفاقية سايكس بيكو والتي بموجبها تم تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية بين قوى الإستعمار الأوروبي دون أخذ رأي الحكام المحليين أو شعوب البلاد في الإعتبار). بموجب شروط تلك المعاهدة ، سحب الهولنديون رسمياً معارضتهم للوجود البريطاني في سنغافورة. يرى العديد من المؤرخين أن المعاهدة قسمت مناطق النفوذ بين الهولنديين والإنجليز، سلطنة جوهور قسمت إلى ولاية جوهور الحالية في جنوب الملايو (حالياً تتبع دولة ماليزيا) تحت سيطرة البريطانيين وولاية رياو في شرق سومطرة (حالياً تتبع دولة إندونيسيا) ثم لينجا إقليماً آخر تابعاً لجاوة في إندونيسيا الحالية وكلاهما تحت سيطرة هولاندا ثم تنازلت بريطانيا عن بنكولين في غرب سومطرة لهولاندا لتصبح سومطرة بأكملها هولاندية وفي المقابل تنازلت هولاندا عن ملاكا للبريطانيين وتصبح الملايو بأكملها تحت سيطرة بريطانيا العظمى. وتم توقيع هذه المعاهدة سرا دون علم النبلاء المحليين بما في ذلك السلطان وبالتالي فقد تم التشكيك في شرعيتها وإن إستمرت أحكامها حتى اليوم.
ومع ذلك ، نجح البريطانيون في تهميش النفوذ السياسي الهولندي بإعلان السلطان حسين سلطان سلطان جوهور وسنغافورة للحصول على اعتراف قانوني في مجال نفوذهم في سنغافورة وشبه جزيرة ماليزيا. كانت شرعية إعلان السلطان حسين كسلطان جوهور وسنغافورة مثار جدل لدى بعض حكام الملايو الآخرين. نظرًا لأنه وضعه على العرش من قبل البريطانيين ، كان يُنظر إليه أيضًا كحاكم عميل وتم تشبيهه بأنه "دمية يحركها البريطانيون". من ناحية أخرى ، تم تعزيز موقف التيمينجونج عبدالرحمن الذي كان بفضل تعاونه أن سيطر البريطانيون فعليًا على جوهور وسنغافورة ؛ وبدعم من البريطانيين اكتسب نفوذاً مماثلاً لنفوذ راجا جعفر. وفي الوقت نفسه ، تم تثبيت السلطان عبد الرحمن كسلطان لينجا في نوفمبر 1822 ، مع إستكمال رموز وشعارات الملك. أصبح السلطان عبد الرحمن ، الذي كرس نفسه للدين ، راضياً عن مجال نفوذه السياسي في لينجا ، حيث واصلت أسرته الحفاظ على الحكم الملكي تحت التوجيه الإداري لراجا جعفر الذي حكم تحت رعاية الهولنديين. الواقع أن الجهات الفاعلة في هذه المرحلة كانت ثلاثة أطراف ؛ القوى الاستعمارية البريطانية والهولندية ؛ النبلاء الذين أبرموا اتفاقية مع الهولنديين وهم راجا جعفر (يام توان مودا من رياو) وتيمينجونج عبد الرحمن من جوهور وسنغافورة ؛ والقصر وهو ممثلاً في كل من السلطان وبنديهارا وكلاهما إدعى أنه لم يكن على علم بأي معاهدة موقعة بمعرفتهما. نظرًا لعدم التصديق على المعاهدات من قبل السلطان أو بنديهارا ، حاول أهل الملايو عدم الانتباه إلى أي إجراء من جانب القوى الاستعمارية. وتم اتهام "يام توان مودا من رياو" بإرتكاب خيانة عظمى عن طريق "بيع" سيادة جوهور ، لكن الحجة المضادة هي أنه لا السلطان ولا بنديهارا كانوا أطرافًا في المعاهدة. تم التوقيع على المعاهدة بين هولاندا وبريطانيا في سرية تامة و أصبحت التفاصيل معروفة فقط في عام 1855. وعزز تيمينجونج إبراهيم (أبن تيمينجونج عبدالرحمن) موقفه من خلال صداقته لبريطانيا العظمى ، واكتسب نفوذاً في الدولة ، مع تأييد بريطانيا له، على حساب السلطنة. وأستمر هذا الأمر بشكل أكثر بالنسبة لابن تيمينجونج داينج إبراهيم ، فقد نجح تيمينجونج أبو بكر الطموح في إغتصاب عرش سلطنة جوهور.
توفي السلطان عبد الرحمن في عام 1832 وحل محله ابنه السلطان محمد شاه (حكم من عام 1832-1841). توفي راجا جعفر (يام توان مودا من رياو) ولم يكن السلطان في عجلة من أمره لتعيين خليفة له. رأى السلطان الضرر الذي لحق بالقصر في عهد والده وقرر إعادة التأكيد على إستعادة حكم العادات الملكية المتوارثة كقاعدة تحكم السلوك الشخصي والسياسة. استدعى بنديهارا علي (راجا بنديهارا من ولاية باهانج في وسط الملايو) إلى لينجا. وفي لينجا (حيث مقر الحكم وقصر السلطان)، عقدت مجالس متشددة في إلتزام العادات الملكية القديمة. أقام مجلس البينديهارا إحتفالات (حسب العادات) تهدف إلى إعادة تثقيف النبلاء والسلطان حول واجباتهم ومسؤولياتهم. تمت مناقشة مباديء الإسلام والسياسة فيما يتعلق بالحكم السلطاني. وقد حضرها جميع النبلاء من جميع أنحاء الإمبراطورية ، مما أثبت في النهاية أن "سلطان" سنغافورة غير معترف به من قبل الملايين من أهالي ونبلاء الملايو. وشملت الاحتفالات أيضًا تنصيب تنكو محمود (الحاكم فيما بعد كسلطان محمود مظفر) كولي العهد و وتون مطاهر باعتباره بينديهارا في الإنتظار.
في عام 1841 ، عيّن بيندهارا "علي" التيمينجونج دينج إبراهيم ليحل محل والده تيمينجونج عبدالرحمن الذي توفي في عام 1825. وكان الفاصل الطويل بسبب استياء بيندهارا "علي" من شؤون سنغافورة. وشملت الشروط التي فرضت خلال التعيين زيارة لتأكيد الولاء لحكم السلطان محمود مظفر في لينجا. وكان السلطان حسين الذي نصبه البريطانيون على سنغافورة قد توفي في عام 1835 ، وتمنى أبنه الأمير "تينكو علي" أن يحصل على نفس الشرعية التي منحت للتيمينجونغ دينج إبراهيم ، من قبل نبلاء الملايو . وأرسل البريطانيون الطلب في عام 1841 إلى بيندهارا "علي" في باهانج.
بعد الانتظار الطويل منذ عام 1835 لـ "التعيين" كسلطان ، وفي عام 1852 ، قرر "تينكو علي" إعادة إقليم جوهور إلى إمبراطورية جوهور/ رياو ولينجا السابقة من خلال إحتفالات تكريم وإظهار للولاء للسلطان محمود مظفر في لينجا. ولمدة ثلاث سنوات عادت إمبراطورية جوهور متحدة وكاملة مرة أخرى ، بإستثناء سنغافورة التي تم التنازل عنها للبريطانيين. وشعر البريطانيون بالقلق من التطورات الأخيرة ، فقاموا بإستدعاء "تينكو علي" و إجباره على العودة إلى سنغافورة والتهديد بإلغاء راتبه الشهري ومخصصاته المالية . وفي سنغافورة ، كان كثيراً ما يزوره السلطان محمود مظفر وصارت علاقاتهما ودية للغاية. ثم فرض البريطانيون القلقون معاهدة 1855 بين "تيمنجونج إبراهيم" و"تينكو علي". في مقابل الاعتراف به كسلطان ، وبموجب تلك المعاهدة وافق "تينكو علي" على التخلي عن جوهور لصالح تيمينجونج إبراهيم وخلفه. كان الهدف من المعاهدة ترسيخ موقف تيمينجونج إبراهيم ، الحليف الرئيسي لهم.
عندما سأل السلطان محمود مظفر البنديهارا علي عن معاهدة 1855. في رده إلى السلطان ، كرر البنديهارا أنه من المفترض أن تيمينجونج إبراهيم أقسم بصدقه وولائه لجلالته أما فيما يخص سلوك تينكو علي ، إدعى البينديهارا جهله بسبب تصرفاته. ثم كرر أيضًا أنه (أي "بينديهارا علي" ) لم يكن طرفًا في أي نقاش مع البريطانيين أو الهولنديين.
كان الهولنديون قلقين للغاية أيضًا. وفيما يبدو أن السلطان كان يتصرف من تلقاء نفسه ولن يستمع إلى نصائح نائبه ، " يام توان مودا" من رياو الواقع تحت تأثير الهولنديين ونبلاء بوجيز المناوئين له. وإندلع نزاع مفتوح على الملأ بين السلطان محمود مظفر ونبلاء بوجيز حول تعيين "يام توان مودا" جديد في رياو.
كان نبلاء البوجيز حريصيين على أن يكون شاغل المنصب واحداً منهم وكان هذا هو الاختيار الهولندي أيضاً. ولكنه لم يكن إختيار السلطان المفضل ، وإستاء السلطان من وجود يام توان مودا لرياو مدعوماً من قوى أوروبية. أدى ذلك إلى طريق مسدود وأبحر السلطان إلى سنغافورة ليهدأ. وخلال رحلة سنغافورة ، قام نبلاء بوجيز بخلع آخر سلطان لإمبراطورية جوهور العظيمة في عام 1857. بعد الإطاحة بسلطان جوهور/ رياو ، انتخب نبلاء بوجيز السلطان الجديد ، السلطان سليمان بدر شاه ، سلطان مملكة رياو- لينجا "الجديدة" المبنية على بقايا إمبراطورية جوهور/رياو ولينجا. وقع السلطان الجديد إتفاقية مع الهولنديين وفي الاتفاقية وافق السلطان الجديد على الإعتراف بسيادة الحكومة الهولندية على الحكم. وبجرة قلم ، قام السلطان بتقسيم إمبراطورية جوهور إلى قسمين كبيرين وتخلى عن سيادة جزء من إقليمه إلى الهولنديين. وكان هذا يمثل أيضًا نهاية سلطنة جوهور/ رياو – لينجا الأصلية التي انحدرت من سلطنة مالاكا. هذا الانقسام لا يزال حتى اليوم قائماً وتشهد عليه الحدود بين ماليزيا وإندونيسيا.
ولكن وهذه ظاهرة أجدها غريبة وغير مفهومة لي (على الأقل) ، تجد الصيني يخبرك أنه صيني ثم تكتشف أن هناك تحت كلمة الصيني هذه طوائف عدة وهم ليسوا فقط طوائف بل هم يتحدثون لغات مختلفة فهناك الهوكيان والتوتشو والهكاه والكانتونيز وغيرهم ولكل منهم طعامهم المختلف ولكنهم جميعهم عندما يتكلمون مع غير الصيني فهم جميعاً "صينيون". بينما تجد الفرد المالايو يبتعد وينأى عن البوجيز أو المي نانج أو الآتشينيز أو الجافينيز ويميزوا بينهم وهم جميعاً من الجنس المالايو ، فهم عرق واحد وعاداتهم وتقاليدهم واحدة وقد يختلفون في الملبس قليلاً (أنا لا أرى الفارق في الملبس إلا بعد تدقيق – فهو كالفارق بين الملبس السعودي والملبس الإماراتي أو الملبس القطري مثلاً) وقد يختلف طعامهم أيضاً قليلاً عن بعضهم البعض كما تختلف موسيقاهم ورقصاتهم برغم شبه إيقاعاتها وحركاتها ولكن غالبيتهم إن لم يكن جميعهم مسلمون. ثم أنهم يتفاخرون على بعضهم البعض ، فهذا يقول لك "لا .. انا أتشينيز .." والآخر يقول لك "أنا بوجيز .." ثم يأتي من يقول لك " أنا مي نانج " وهكذا دواليك .. ثم تنظر إليهم جميعاً وتقول لهم "ولكنكم جميعاً .. مالايو " ... فيرفضون ما تقوله ويستعلون .. فأي بؤس !
حقائق غير معلنة عن ستامفورد رافلس
إنه لقول آمن أن نردد أن وصول ستامفورد رافلس إلى سنغافورة قبل 200 عام ، في 28 يناير 1819 ، اكتسب مكانة أسطورية في سنغافورة. في 28 يناير 2019، عند إطلاق إحتفالات سنغافورة بمرور مائتي عام على تأسيسها ، قال رئيس الوزراء لي هسين لونج: " جعل رافلس سنغافورة ميناء حراً ومجانيًا. فازدهرت المستعمرة الجديدة ، ونما عدد السكان بسرعة. جاء المهاجرون من جنوب شرق آسيا والصين والهند وما وراءها. "
كان هذا بيانًا يردد نفس كلمات الأب والزعيم الراحل لي كوان يو Lee Kuan Yew ، في الذكرى السنوية المائة والخمسين لوصول رافلس إلى سنغافورة في إحتفالات عام 1969:
" عندما جاء ستامفورد رافلس إلى هنا قبل 150 عامًا ، لم يكن هناك مجتمع بشري منظم في سنغافورة ، إلا إذا كان بالإمكان تسمية قرية صيد بإسم مجتمع. يوجد الآن أكثر من مليوني شخص مع ثاني أعلى مستوى معيشة في آسيا ".
كان هذا على الرغم من أن السيد لي الأبن إستهل بيانه بتسليط الضوء على كيفية إمتداد تاريخ سنغافورة لعدة قرون قبل وصول رافلس . يبدو أنه بعد ذلك ، على الرغم من دعوة المئوية الثانية للسنغافوريين للنظر في تاريخ سنغافورة الأطول في المنطقة ، فإن الرواية السائدة لرافلس ما زالت قائمة - أن وصوله جلب فوائد اقتصادية قوية لجزيرة سنغافورة ، مما جعلها ما هي عليه اليوم.
على الرغم من ذلك ، فقد ظهر انتقاد رافلس في السنوات الأخيرة ، خاصةً بشأن أسلوبه في الإدارة والتأكيدات العديدة بأن الأساس الذي قامت عليه إدارة المستعمرة قد تم فعلاً بواسطة مرؤوسه ، وليام فاكهار.
كجزء من هذه الرواية المضادة المتزايدة ، أنا أيضًا ، طرحت الرأي القائل بأن الإرث المهيمن لرافلس ومكانته الأسطورية في تاريخ سنغافورة تتناقض مع ما كان عليه بالفعل - الشخص الذي وجدته ، أثناء بحثي ، بعيدًا تمامًا عن ما تعلمه الطلاب عنه في الكتب المدرسية السنغافورية وما تروجه الحكاية عنه الرسمية للحكومة السنغافورية.
وأشعر أنه من المهم معرفة حقيقة رافلس كقائد و مستعمر ، والآثار الاجتماعية المترتبة على حكمه ، وفي الوقت نفسه ، ربما يمكننا تقدير الفوائد الاقتصادية التي جلبها إلى سنغافورة.
وإليكم أسباب ذلك:
1) لم يكن الذهاب إلى سنغافورة فكرة رافلس
بادئ ذي بدء ، لم يقصد رافلس أبدًا المجيء إلى سنغافورة حتى ليلة 27 يناير 1819 ، أي قبل يوم من هبوطه على جزيرة سنغافورة. في الواقع ، وفقا لكوا تشونغ قوان في دراسة سنغافورة قبل عام 1800 ، كان فاكهار هو أول من أشار إلى المنطقة العامة لمدى ملاءمة إنشاء مركز تجاري. وبدلاً من سنغافورة ، كانت الوجهة الأصلية التي اقترحها فاكهار Farquhar إلى رافلس هي جزيرة كاريمون Karimun ، بين جزر رياو Riau
هذه هي جزيرة كاريمون الكبرى على اليسار. ويمكنك أن ترى جزيرة سنغافورة وجوهور في الأعلى ثم جزيرة باتام وجزيرة بنتان هنا أيضًا. (لقطة مأخوذة من خرائط جوجل Google)
و خلال الاستكشاف والمعاينة في يناير 1819 وبعد ثلاثة أيام من الإبحار في جميع أنحاء جزر كاريمون فشلوا في الحصول على موقع مناسب لإنشاء ميناء تجاري وأقترح الكابتن دانييل روس ، مكانًا معينًا على الخريطة "اعتبره مؤهلاً أكثر من كاريمون".
كانت هذه البقعة ، هي سنغافورة ، التي أبحروا تجاهها ورسووا ليلا في جزيرة سانت جون التابعة لسنغافورة.
في الثامن والعشرين من كانون الثاني (يناير) ، قرر الطاقم الذهاب إلى سنغافورة ، وخاصةً "لإجراء استفسارات" عن وجود الهولانديين في المنطقة من التيمينجونج (الحاكم المحلي لسنغافورة وجزر رياو) ، كما سجل جون كروفورد في كتابه: "القاموس الوصفي لجزر الهند والبلدان المجاورة."
وأضاف كروفورد أنه في هذه المرحلة ، " للمرة الأولى ، كانت مزايا وتفوق الموقع تطرح نفسها بقوة ".
2) وضع رافلس المباديء الأساسية للإحتيال والنصب الذي أجبر حكام سنغافورة الأصليين على تسليم السيطرة إلى البريطانيين.
كانت دوافع رافلس في المجيء إلى المنطقة - ومن ثم سنغافورة - موضع شك أيضًا ، فهو لم يأتي محرراً أو ناشراً لقيم العدل والتجارة العالمية الحرة كما أدعى من يروجون لرافلس نظرًا لوجود أدلة تشير إلى أنه كان مهتماً تمامًا بالفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها الإمبراطورية البريطانية من ذلك.
الآن ، لفهم هذا تمامًا ، نحتاج إلى وضع سياق سريع:
1) كانت سنغافورة في الأصل تحت ولاية جوهور - وبالتالي ، فإنها كانت في الأصل تحت سلطة السلطان عبد الرحمن ، وأمبراطوريته التي تشمل رياو وجوهور ولينجا والذي كان شقيقه الأكبر، تنكو حسين ، يعيش في المنفى ، وكان هناك توتر بينهما في الوقت الذي وصل فيه البريطانيون – الأمر الذي اختار رافلس استغلاله.
2) إذن فيما أصبح يسمى معاهدة سنغافورة لعام 1819 (الموقعة في 6 فبراير من ذلك العام) ، قام البريطانيون بالآتي:
أ) تعيين تنكو حسين كسلطان لسنغافورة ، مما أعطاه السلطة على سنغافورة وأرضها ؛
ب) حصل البريطانيون على موافقة من التيمينجونج (الحاكم المحلي لسنغافورة) والسلطان المعين حديثًا (والذي كان بالطبع مسرورًا من البريطانيين لجعله سلطانًا) لبناء وتشغيل مصنع / ميناء ؛ و
ج) وافق البريطانيون على دفع المال (في شكل نصف الرسوم الجمركية التي تم تحصيلها من الميناء) إلى السلطان والتيمينجونج ، في مقابل الحصول على إذن لتشغيل ميناء تجاري في سنغافورة.
د) وافق البريطانيون على دفع مرتبات شهرية للحكام المحليين (السلطان والتيمينجونج).
وكما كتب جون كروفورد (حاكم سنغافورة البريطاني الثاني والذي حل محل ويليام فاكهار، وكان كروفورد - رجلاً غير محبب إلى الطائفة المحلية من المالاويين والصينيين وبالمثل عند الجاليات الأوروبية وسوف أخبركم بهذا الأمر أكثر بعد قليل) - أن هذه المعاهدة كانت:
"... أكثر قليلاً من تصريح لإقامة مصنع ومؤسسة بريطانية ... في الواقع لم يكن هناك تنازل إقليمي يعطي حقًا قانونيًا في التشريع. القانون الوحيد الذي كان يمكن له أن يوجد هو قانون الملايو. وأستمر الزعيم الأصلي/السلطان هو مالك الأرض ، حتى داخل حدود المصنع (الميناء) البريطاني ، وكان من حقه (مالك الأرض/السلطان) ، إلى الأبد ، أن يحصل على نصف رسوم الجمارك التي قد يتم فرضها فيما بعد على الميناء. "
ما يعنيه هذا هو أن المعاهدة لم تمنح البريطانيين إذنًا إلا لإنشاء ميناء في سنغافورة.
لم يكن الأمر ، على أي حال ، وثيقة أعطت البريطانيين أي سيطرة على أي أرض – بل أقل سيطرة بكثير على شؤون سنغافورة أو التخطيط أو كيفية تشغيلها. في الواقع ، كان السلطان حسين لا يزال يعتبر مالك الأرض بموجب هذه المعاهدة ، بما في ذلك الأرض التي تم بناء المصنع عليها. لقد كانت صفقة بين كل من التيمينجونج والسلطان حسين ، ولا سيما الأموال التي سيحصلون عليها من البريطانيين. وفي ظل هذه الترتيبات ، كان عمل ويليام فاكهار ينحصر في تنشيط التجارة في سنغافورة. ولهذا تعاون فاكهار على نطاق واسع مع السكان المحليين ، مستخدمًا معرفته بثقافة وسياسة الملايو والتي جمعها على مدار 25 عامًا. لسوء الحظ ، رغم ذلك ، كان أسلوبه المتعاون مع الحكام المحليين للأرض وتنشيطه للتجارة في سنغافورة سبباً رئيسياً في إثارة غضب رافلس عليه.
خداع الحكام الملايو
المعروف أن رافلس رأى سنغافورة مثل "طفله الوليد" ، مما جعل تعاملاته اللاحقة مع السلطان حسين وتيمينجونغ أكثر إلحاحًا.
عندما كان رافلس في سنغافورة في آخر زيارة له بين أكتوبر 1822 ويونيو 1823 ، تفاوض على معاهدة جديدة بشأن إدارة سنغافورة ، مما زاد من مرتب السلطان لكنه أجبره على التخلي عن امتيازات خاصة ، مثل تلقي الهدايا من السفن الصينية.
جعلت هذه المعاهدة الجديدة جهود رافلس الرسمية تهدف لتقليص أي سلطة أوتأثير للسلطان والتيمينجونغ على حكم سنغافورة وهو الأمر الذي ربما اعتقدوا أنه كان بموجب معاهدة 6 فبراير 1819. خلال تلك الفترة ، قام رافلس أيضًا بفصل فاكهار واستبداله بجون كروفورد ، وهو رجل كان يكره كلا المجتمعين الأوروبي والآسيوي في سنغافورة ، وكان الهدف من تعيينه تنفيذ رؤية رافلس بخصوص سنغافورة ، ولكن ومن مآسي القدر أنه لم يضع رؤية رافلس بالكامل موضع التنفيذ.
3) كان رافلس إمبرياليًا مستعمراً وله وجهة نظر عنصرية تجاه كل من لم يكن "أبيضًا".
ولكن مهلا ، ألم يكن رافلس قادراً على العمل مع الناس من جميع الأجناس بما في ذلك الأجناس غير الأوروبية من أجل بناء سنغافورة المستوطنة والميناء الجديد؟
ألم يتفاوض مع التيمنجونج عبد الرحمن ووقع معاهدة معه ومع السلطان حسين في 6 فبراير 1819 ؟
ألم يكن لديه علاقة عمل جيدة مع أستاذه ، مونشي عبد الله ، أيضًا؟
في هذه المرحلة ، يجدر بنا إعادة النظر في ماذا كان الأساس الأصلي لإنشاء رافلس لمركز تجاري وميناء في سنغافورة: والإجابة هي وبشكل أساسي ، حركة شطرنج في لعبة صراع دولي قوي.
بعد أن تخلى البريطانيون عن السيطرة على ملقا لصالح الهولنديين في عام 1815 ، بموجب معاهدة فيينا ، أرادوا في النهاية ببساطة منع الهولنديين من السيطرة المطلقة على التجارة في مضيق ملقا وبالتالي من إحتكار طريق التجارة إلى الصين.
لذلك كانت نية وأفعال رافلس لها جذور في المقام الأول في الصراع الجيوسياسي بين الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية.
وكانت طريقته هي إختيار عناصره من سكان الجزيرة الأقل شأنا من غير الأوروبيين ، بطرق مختلفة ، لمساعدته على تنفيذ مهمته.
تم الكشف عن آراء رافلس المزرية في كتاب توماس ستامفورد رافلس ، 1781-1826 ، مدبر المكائد أم المصلح ، والذي ألفه عالم الاجتماع الماليزي دكتور سيد حسين العطاس ، الذي استشهد من "مذكرات رافلس" على نطاق واسع ، وشارك القراء ما اعتقده رافلس حقًا في معظم السكان المحليين الذين عمل معهم في سنغافورة.
الصينيون لاعقو الأحذية
بالنسبة للصينيين ، كتب سيد حسين أن رافلس رأى أن اجتهادهم في العمل قد يمثل ربحًا مفيدًا وتهديدًا في الآن نفسه ، وهي وجهة نظر يبدو أنه اكتسبها خلال فترة وجوده في جاوة. الأهم من ذلك ، كتب رافلس أنه وجد أن الصينيين هم من دواهي الزمن ولاعقي الأحذية الذين كانوا نشيطين للغاية في إثراء أنفسهم بالرغم من أي أمر قد يعيقهم.
" إن الروح الاحتكارية للصينيين تمارس في كثير من الأحيان سيطرة خبيثة وضارة للغاية على مقتضيات الحياة ، ونتاج التربة ، حتى في محيط باتافيا (جاكرتا الحالية). إذا أخذنا في الاعتبار مرونة الصينيين وتملقهم المفتعل ، وكيف أنهم في جميع المناسبات مستعدين لتقديم "خدماتهم" ، ومدى استعدادهم لتقديم المساعدة بخاصة عندما لا يكون هناك خطر ، وعندما يدركون أنه يقع في نطاق مصلحتهم الخاصة والشخصية ، فقد يعتمدون على بذل قصارى جهدهم للإختلاط مع الطائفة الإنجليزية . "
رأى رافلس أيضًا أن إدعاء العجز الصيني في الاندماج في المجتمعات الاستعمارية يبدو واضحاً كسبب آخر لبراعتهم الاقتصادية: "... يشكل الصينيون ، من خلال لغتهم وأدبهم الخاص ، نوعًا من مجتمع منفصل في كل مكان يستقرون فيه ، مما يمنحهم ميزة كبيرة على جميع المنافسين في حيازة إحتكارات التجارة".
حذر رافلس مواطنيه من أنه من المهم بالنسبة للبريطانيين أن يبقوا الصينيين في متناول قبضة أيديهم حتى لا يكتسبوا السلطة السياسية أو النفوذ الإقتصادي على حساب البريطانيين.
الريادة في أسطورة الفرد الملايو كسلان
ومع ذلك ، في رأي رافلس حول الفرد الملايو ، يجد المرء أفضل تعبير عن الروابط بين عنصرية رافلس وخططه في تطوير سنغافورة. كتب سيد حسين أن رافلس رأى في المقام الأول الأشخاص الملايو "كسالى" كسالى ، مقاومين للحضارة ويسهل إرضاؤهم ، نتيجة للمناخ الاستوائي الذي عاشوا فيه مما أدى إلى وفرة الطعام.
في الآونة الأخيرة ، سلط الوزير السابق في الحكومة السنغافورية، الدكتور يعقوب إبراهيم الضوء على هذه "الأسطورة الأكثر سمية للمواطن الكسول" ، مضيفًا أن الأسطورة قد درسها وفضحها على نطاق واسع سيد حسين في كتابه الشهير بعنوان "أسطورة الإنسان الأصلي الكسلان".
وقال رافلس إن الميزة الوحيدة لاسترداد الملايو هي أن اعتمادهم على النفس في مجال الدفاع قد منحهم السيطرة على عواطفهم ، مما جعلهم "أكثر تهذيبا على الإطلاق من بين كل الوحوش".
على حد تعبير رافلس ، كما ذكر سيد حسين:
" الإنسان الملايو ، الذي يعيش في بلد حيث تمنح الطبيعة له (بدون عمل تقريبًا) كل ما يريده ، غير مبال ، لدرجة أنه عندما يكون لديه الأرز ، فلن يحثه شيء على العمل. إعتاد على ارتداء السلاح من طفولته الأولى ، والاعتماد على براعته الخاصة للأمان ، والخوف من زملائه ، فهو أكثر مهذبا بشكل صحيح من بين جميع الهمجيات ، وليس خاضعًا لتلك البدايات العاطفية الشائعة جدًا بين الأمم المتحضرة. "
وأضاف سيد حسين أن رافلس ألقي باللوم على الظروف "المتدهورة" للماليزيين على استغلال الحكام الهولنديين والصينيين والعرب والماليزيين ، مما عزز اعتقاد رافلس بأن الأمر يرجع إلى البريطانيين في رفع مستوى السكان المالاويين ومنحهم العدل والازدهار.
كانت هذه بعض آراء سير ستامفورد رافلس المستعمر البريطاني في أهالي وسكان سنغافورة وأرخبيل الهند الشرقية من مالاويين وصينيين.
فكيف إنتهى الأمر بالحكومة السنغافورية إلى تمجيد رافلس؟
مع كل ما قيل عن عنصرية رافلس والتلاعب في السيطرة على سنغافورة ، كيف انتهى الأمر بسنغافورة في تمجيده وتقديره لكل الأشياء التي فعلها وقالها ؟
كان تمجيد مساهمات رافلس فعالاً في بناء تاريخ سنغافورة الوطني. يشبه إلى حد كبير كيف حول رافلس سنغافورة إلى مركز تجاري مزدهر ، فإن هذا "البقاء على قيد الحياة رغم كل الصعاب كمدينة دولة مستضعفة " خدم سنغافورة جيدًا في سنوات ما بعد الاستقلال المباشرة. سمحت هذه الرواية لسنغافورة بتعريف نفسها كدولة مدينة عالمية ، ورفعها إلى المسرح العالمي. لكن بالطبع ، إنه عام 2019 ، بعد مائتي عام ، وقد حان الوقت لأن نخرج من هذا ونعترف بفضل البعض الآخر وقيامهم بالكثير من الأعمال لتطوير سنغافورة بدوافع أكثر حميدة.